على قوم بينكم وبينهم ميثاق وإنما اكتفى من أهل الذمة بأخذ الجزية في حال رفضهم الإسلام دون المشركين لأنهم أهل كتاب من الله لو رجعوا إليه قبل تحريفه وتبديله وتدبروه وتجردوا عن العصبية لآمنوا بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم أقرب إلى الإيمان وأدنى أن ينصاعوا إليه إذ هم يعترفون بوجود الله وإنما يخالفون المسلمين في مسألتين اثنتين لا ثالث لهما لا يقرها عليهما دينهم من الأساس وقد وضحهما الله فيما يأتي:
الأولى: زعمهم أن لله ولدًا حيث قال تعالى: {وقالت اليهود عزير} بالتنوين وقرئ بغير تنوين: {ابن الله} : {وقالت النصارى المسيح ابن الله} استنادًا إلى أن المسيح كان يدعو الله بقوله «أبي» ويفسرون هذه الأبوة بأنه من طبيعته وأنه ابنه الوحيد الأزلي فهو جزء منه والإسلام لا يقر هذا بل يقول إن الله تعالى واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد وإن عزيرًا عبد الله وإن عيسى ابن مريم عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه خلقه الله من غير أب كما خلق آدم من غير أبوين بمجرد أمره وبغير سنته في البشر التي تقتضي بالتناسل والتوالد من اجتماع ماء الرجل والمرأة وفي هذا يقول القرآن: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} وأنه لم يخرج عن كونه من طبقة البشر كما قال تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} والمسلمون واليهود والنصارى متفقون جميعًا على أن الله هو المتصرف في العالم وهو خالقه ومدبره وهو الذي أرسل الرسل ليعرفوا الناس بما يرضيه وما لا يرضيه من الأعمال ومما لا جدال فيه أن المسيح عليه السلام لم يدع لنفسه الألوهية وأنه كان يعترف بوحدانية الله ورسالته عنه حيث يقول في إنجيل يوحنا: «وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته» ولم يدع المسيح الناس إلى عبادته وعبادة أمه قط ولم ينكر أحد أنه كان يدعو إلى عبادة الله والإخلاص له بصريح القول. فالقول بأن مخاطبة عيسى الله بلفظ «أبي» تقتضي أن يكون من طبيعة الآلهة أمر لا يقره المنطق الصحيح أمام الواقع وأمام ما اعترف به نفسه من وحدانية الله ورسالته عنه. ولا ينبغي أن يقف في طريق الاتحاد مع المسلمين على الإيمان بوحدانية الله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. وأنه تعالى لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، بل يجب اعتقاد بطلان تلك الدعوة الزائفة التي لا يسلم بها العقل السليم إذ لو كان المسيح ابنًا لله من طبيعته الإلهية كما يزعمون لما انتابته أحوال المخلوقين ولما