أعجبتكم كثرتكم التي كنتم تعلقون عليها الأمل في النصر إذ قلتم لن نغلب اليوم عن قلة إذ كان عددكم ثلاثة أضعاف جيش المشركين وكان جلكم من الطلقاء من أهل مكة ومنهم من هو ضعيف الإيمان ومنهم من جاء لنيل الغنيمة لا بقصد إعلاء كلمة الله فلما رأوا تكاثر العدد عليهم فرّ هؤلاء وأدبروا فذعر الجيش واضطرب: {فلم تغن عنكم} تلك الكثرة: {شيئًا} لانتصاركم ولم تفدكم ولم ينفعكم إذ ذاك مال ولا ولد: {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} لا تلوون على شيء: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} وكان عددهم لا يتجاوز الثمانين رجلًا فلم يخافوا من عدوهم بل ثبتوا ثبوت الراسيات: {وأنزل} الله: {جنودًا} روحانية: {لم تروها} ولكنكم وجدتم أثرها في نيل النصر في الموقعة، الأمر الذي يصور لكم كيف يؤيد الله بنصره من يشاء من عباده المتبعين لهديه الواثقين بنصره المتوكلين عليه.: {وعذب} الله: {الذين كفروا} في تلك المعركة بالقتل والأسر والسبي: {وذلك جزاء الكافرين} بالله المعتمدين على محض قوتهم من دون الله وكان من رحمة الله تعالى بخلقه أنه بعد أن أمر نبيه بأن ينذرهم بالتربص إذا هم لم يؤثروا محبته ومحبة رسوله والجهاد في سبيله على كل شيء وبعد أن ذكرهم بما كان من نصره لهم عند اعتمادهم عليه وخذلانهم عندما اعتمدوا على الكثرة أخبر رسوله بأنه تعالى قد يتجاوز عما يكون من تفاوت في درجات الحب والتضحية في سبيل الله والثقة به فقال: {ثم يتوب الله من بعد ذلك} الإنذار: {على من يشاء} التوبة من عباده الذين قصر استعدادهم الفطري عن بلوغ مستوى الكمال النفسي والطاعة التامة: {والله غفور} لما يصدر من الذنوب: {رحيم} بعباده الذين يرجون رحمته ويخافون عذابه.
4 -إقصاء كل من لا يؤمن بالله عن بيته الحرام ولو كان في هذا الإقصاء أضرار مادية حيث قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} بالله: {إنما المشركون نجس} في عقائدهم الباطلة وعبادتهم الفاسدة شأنهم كشأن سائر النجاسات من حيث إنها تؤذي برائحتها من يجاورها ويخشى أن تلوثهم بجراثيمها: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} أي فلا تمكنوهم من دخول أرض الحرم سواء للعبادة أو لسبب آخر كالتجارة التي تعود بعضهم أن يأتيكم بها: {وإن خفتم عيلة} أي فقرًا لقلة مواد المعيشة التي كانوا يصحبونها لكم معهم: {فسوف يغنيكم الله} في المستقبل: {من فضله} الواسع: {إن شاء} وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. فمن واجبكم أن