إلى مكة وأمره أن يعلن ذلك على الناس في يوم النحر ولما كان القرآن في جملته بلاغًا للناس من رب العالمين لعباده وكانت تلك الآيات من سورة براءة أنزلت فاتحة لعهد جديد من الدعوة الإسلامية التي بدأت في مكة بالوعظ والإرشاد ثلاثة عشر عامًا ثم تطورت في المدينة إلى تنفيذ أوامر الله بالحكم بين الناس والدفاع عن كيان تلك الدولة الإسلامية الناشئة ومعالجة الأمور بالسياسة واللين تارة والحزم والشدة تارة أخرى.
ولما آن الأوان لنشر الدعوة العامة على البشر كافة بعث الرسول الكتب وبلغ الرسالة إلى الملوك والأمراء الذين هم زعماء الأمم وقادتها ودعاهم إلى الإسلام وأنذرهم عذاب الله ومن أنذر فقد أعذر فما بقي إلا أن يتبع القول بالفعل ويضع حدًّا لجهل الجاهلين وجحود الجاحدين ويعلن قدسية بيت ربه ويصد المشركين عنه ويعلي راية التوحيد ويضرب بيد من حديد على من يأبى الانضواء تحت ظلها فالناس كلهم عبيد الله الذي خلقهم وسواهم ومنحهم نعمة العقل ليهتدوا بهدايته وأرسل لهم الرسل للدلالة عليه وأنزل لهم القرآن دستورًا عالميًا كاملًا جامعًا لكل ما هم في حاجة إليه فمن واجبهم أن ينصاعوا جميعًا إليه وينقادوا طواعية له ومن شذ منهم عن ذلك طبق عليه حكم الله ومن واجب كل مسلم يؤمن بالله ورسوله أن يتلو كتابه ويتبع أحكامه ويجاهد بنفسه وماله في سبيل إعلاء كلمته وإقامة شرعه وحماية دينه.
لقد صدع رسول الله بتبليغ الرسالة وانتقل بالهجرة إلى المدينة لقيادة الأمة العربية وسياسة الدولة الإسلامية، وجاء دور إخضاع العالم أجمع إلى عبادة الله رب العالمين. فأوحى الله إليه بأوائل سورة التوبة. فهو إذ يعلنها على الناس لا يقصد بها إخضاعهم إلى دينه الخاص أو النزول على حكمه وإنما يأمرهم باستعمال مواهبهم في تبيين الحقائق والاتصال بالله خالقهم. والرجوع إليه جل شأنه ليصلح أمرهم ويحسن أحوالهم، هو لا يريد أن يستعبد الناس أو يملي عليهم سلطانه وإنما يريد أن يخلصهم من ربقة العبودية لغير الله من تلك الآلهة التي لا تنفع ولا تغني من الله شيئًَا يريد أن يحررهم من تلك القيود التي فرضها عليهم كبراؤهم ليملوا عليهم إرادتهم وليجعلوا خاضعين لسلطانهم ورحمتهم في جميع الأحوال.
وهو إلى جانب هذا لا يريد إلا أن يغرس روح المحبة بين البشر كافة ويجعلهم جميعًا إخوة لا تفاضل بينهم ولا تحاسد ولا تباغض وفي سبيل هذه الغاية النبيلة لا حرج ولا تثريب إن هو عمد