حدث خطير
لقد تم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يريد من تكوين دولة إسلامية مهيبة الجانب موفورة الكرامة ومن تطهير البيت الحرام من الأوثان التي كانت منصوبة بداخله وعلى جوانبه والتي من أجلها كان يؤمه الناس من مختلف الجهات ليؤدوا شعائر العبادة لتلك الآلهة التي يشركونها مع الله ويزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى وهي موجودة وقائمة هنالك. فلما هدمها الرسول ونهى المؤمنين عن عبادة غير الله لم ينته غيرهم من ارتياد تلك الأماكن لإقامة طقوسهم المعتادة فيها، وفي هذا ما فيه من التحدي لرسول الله ودينه الحق فالله جل وعلا عندما اتخذ له في تلك البقعة المشرفة بيتًا يتجه إليه من أراد عبادته وجعله مثابة لقاصديه وأمنًا عهد إلى إبراهيم وإسماعيل أن يطهرا ما حوله للطائفين والعاكفين والركع السجود ثم جاء المشركون فأقاموا لهم في ذلك البيت أصنامًا عبدوها من دونه وكان هذا منهم شركًا ينافي التوحيد فإذا هدمت تلك الأصنام فلا معنى لبقاء عبادتها من دون الله في ذلك المكان.
ولما كانت رسالة النبي الكريم إنما تقوم على أساس محاربة الوثنية وعبادة الله وحده فليس من المعقول أن يقر الشرك بالله بأي صورة من الصور وفي أي جهة من الجهات التي يبسط عليها سلطانه. فكيف تهضم نفسه أن يرى المشركين يحجون إلى مكة ويقيمون طقوسهم على مرأى ومسمع منه وما هو السبيل إلى منعهم من ذلك وقد أخذ على نفسه عهدًا عامًّا أن لا يصد عن البيت أحدًا جاءه وأن لا يجعل أحدًا يخاف في الشهر الحرام كما كان بينه وبين بعض القبائل من العرب عهود خاصة إلى آجال مسماة.
وغير هذا فإنه عليه الصلاة والسلام إنما أرسل للناس كافة ومن أهم مبادئ شريعته حرية الرأي وعدم التعرض للناس بالأذى في عقائدهم وشعورهم فكيف يكره الناس على الإيمان به وهو إلى جانب هذا أيضًا مأمور أن ينفذ ما أمر به جده إبراهيم عليه السلام مؤسس الشريعة الإسلامية. من تطهير بيته من كل ما لا يصح أن يكون بجواره من الرجس الحسي كالأصنام وقد حصل وأزيلت والرجس المعنوي كعبادة غير الله وهذا ما يجب أن يكون بتخصيص مكة لمن آمن به تعالى من الطائفين والعاكفين والركع السجود وله كامل الحق في هذا من عدة وجوه يتلخص ما نتصوره منها فيما يأتي: