أكسبه تعالى لأتباعه من نصر إثر نصر وكان فتح مكة من أعظم الدروس التي زادت المؤمنين وثوقًا بالله واعتمادًا عليه.
فلقد وعد الله نبيه عليه الصلاة والسلام بعد عودته من الحديبية بأنه تعالى سينصره نصرًا عزيزًا فلم يحمله ذلك على التواكل ولم يطمع المؤمنون في انتظار خوارق العادات لنصر يأتيهم به الله بل إنهم أخذوا يعدون أنفسهم ويمرنون أجسامهم على الجهاد والصبر على البلاء استعدادًا لتلك المعركة الفاصلة التي تكسبهم ذلك النصر المنتظر فما إن دعاهم رسول الله إلى السفر إلى مكة حتى ساروا في ركابه لم يتخلف منهم أحد يريدون فتح مكة ويريدون إرغام قريش على الخضوع للإسلام. وقد أراد الله جل وعلا أن يضمن لنبيه تحقيق هاتين الغايتين من غير حاجة إلى تلك القوة التي أعدها بل بتدبير إلهي محض وبما ألقاه سبحانه من رعب في قلب أبي سفيان كبير قومه وأعدا أعداء الرسول ذلك الرجل العاتي العنيد والقاسي العتيد الذي اضطر أن يهضم نفسه ويجازف بحياته ويتلمس الوسطاء للرسول ليعفو عنه ويتعهد له مقابل ذلك بأن يحمل قومه على التسليم له والإيمان به فتتجلى بذلك قدرة الله على منح النصر لعباده المؤمنين المخلصين ويصدق وعد الله لنبيه بنصر عزيز. لا مثيل له في تاريخ الانتصارات.
بلاد تفتح وأمة تخضع وتقبل أن تغير عقيدتها وتترك شريعتها وتلقي بعاداتها المتوارثة في لحظة واحدة ومن دون أن تراق في سبيل ذلك قطرة من دم هذا لعمر الله معجزة من معجزاته وآية من آياته التي أيد بها رسوله والتي أتى بها سبحانه وتعالى كمثل لتأييده للناس في جميع العصور إذا هم رجعوا إليه وآمنوا به إيمان أولئك الأمجاد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول تعالى: {وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين} .
ولذلك فإنه ما كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصل إلى أعالي مكة في يوم الاثنين 20 من رمضان الموافق 8 يناير سنة 630 ويستقر في القبة التي أقامها له صحبه حتى شعر بالحافز يدفعه بالمبادرة إلى زيارة البيت الحرام فأمر عمر أن يأتي الكعبة فيمحو كل الصور التي فيها فذهب ونفذ أمره دون أن يلقى أي مقاومة، ثم امتطى ناقته القصواء مردفًا خلفه أسامة بن زيد وسار بها حتى بلغ الكعبة وهو يقول: «اللهم إن العيش عيش الآخرة» فطاف بها سبعًا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده «وهو عصا منعطفة الرأس يقال لها مشعاب» فلما أتم طوافه دعا عثمان بن