الصفحة 1028 من 1760

غرو إذا ما قال تعالى في كتابه الكريم: {وما النصر إلا من عند الله العزيز الكريم} وقد أمرنا الله سبحانه بالتزود بكل وسائل القوة الظاهرة والاستعداد للحرب لا لضمان النصر فإن ذلك أمره عائد لله وحده الذي يملك من وسائل النصر الخفية مما لم تصل إليه عقولنا بعد ولكن لاتقاء العدوان وإرهاب الخصوم على حد قولهم الاستعداد للحرب يمنع الحرب فقال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم} ولأجل أن يحض الله عباده على التعلق به ووضع الثقة فيه وحده أكد لهم أن النصر في الواقع لا يكون إلا منه حيث قال تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون} .

فكان حقًّا وكان لزامًا على كل ذي عقل سليم أن لا يطلب النصر إلا من عند الله وأن لا يركن إلى مجرد القوى الظاهرة التي لا تلبث أن تنهار أمام ما يفتح الله به من علم على المخترعين من وسائل القوة أو ما يؤيد به من يريد بقوى غيبية لم تكن في الحسبان وهذا ما يوجب على كل ذي عقل ناضج أن يحب الله تعالى ويتعلق به باعتباره هو المالك لجميع القوى الروحية الخفية المهيمنة على هذه الموجودات الظاهرة.

وبمثل هذا الأسلوب كان الرسول الأعظم يجتذب القلوب للإيمان ويتجه بالناس إلى الله عن طريق البحث عن أصول كل شيء من الماديات التي حولهم ليدركوا أنها إنما تمت إلى أصل غيبي أو أنها بعبارة أخرى ليست سوى بعض آثار تدل على وجود خالق عظيم أوجدها وكونها وسيرها لتحقق ما تتعلق به إرادته وأن هذا الخالق العظيم هو الذي يهب الحياة ويمنح الرزق ويكسب النصر لمن يريد فهو الذي يستحق الحب وهو الذي يجب أن يعبد دون سواه فآمن به من آمن وجحد من جمد عند حد المادة وقصر عقله عن تصور ما وراءها فلم يؤمن بذلك الإله الذي خلقه فسواه ولم يتصور إمكان نصره له في حين بلواه.

وعندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وتولى الحكم فيها أخذ يطبق لأتباعه دروسه السابقة بدروس أخرى عملية يثبت لهم بها مدى قدرة الله على تكييف الأمور وتدبير الخطط وفق مصلحة من يحب ويجعلهم يبصرون بأعينهم يد الله جل وعلا وهي تمتد لنصرة القلة من عباده المطيعين لأوامره والمتوكلين عليه بحفظه لرسوله من المخاطر وحمايته من الأعداء وبما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت