دماء طأطأ رأسه تواضعًا لله وهو يكثر من حمد ربه وذكر آلائه ثم أمر بتوزيع الجيش إلى أربع فرق وحظّر عليها أن تقاتل أحدًا لا يقاتلها ولا تفسك دماء إذا لم تكره عليه وجعل الزبير بن العوام على الجناح الأيسر من الجيش وأمره بدخول مكة من شمالها. وجعل خالد بن الوليد على الجناح الأيمن وأمره أن يدخل مكة من أسفلها وجعل سعد بن عبادة على أهل المدينة وأمره أن يدخل مكة من جانبها الغربي وجعل أبا عبيدة بن الجراح على المهاجرين وسار وإياهم ليدخلوا مكة من أعلاها ثم اتصل بعلمه أن سعد بن عبادة يقول: «اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل المحرمة» فخاف عليه الصلاة والسلام أن يدخلها متأثرًا بهذه الفكرة وقال لعلي بن أبي طالب أدركه فخذ الراية منه فكن أنت الذي تدخل بها وقد دخلت جميع الجيوش مكة بدون أدنى مقاومة ما عدا جيش خالد بن الوليد حيث مر عند دخوله مكة بجماعة من بني بكر ومن ناصرهم في نقض عهد الحديبية بالغارة على خزاعة فخافوا على أنفسهم ولم يطمئنوا إلى أمن رسول الله فأبدوا بعض المقاومة حتى قتل بعضهم وفر آخرون يريدون ركوب البحر ونزل رسول الله بأعلى مكة حيث ضربت له هنالك قبة للاستراحة بها وظل بها يحمد الله ويشكره على ما أولاه واتصل به خبر مطاردة خالد لمن هاجمه فأسف وصاح مغضبًا يذكره بأمره السابق أن لا يكون قتال. ولما علم بأنهم هم البادئون قال إن الخير فيما اختاره الله.
نصر عزيز
ليس في الدنيا لذة أطيب للنفس من لذة النصر فالطفل من أول شعوره بالحياة يأتي لأبويه وهما في نظره أقدر الناس على حمايته ويسألهما النصر وكلما زادت معارفه يطلب النصر ممن هو أعظم منهما. وجبلت النفوس على حب من ينصرها لأنها تجد عنده ما تصبو إليه من أعظم اللذات.
من أجل هذا أخبر الله عباده في مواضع كثيرة من القرآن بأنه تعالى وحده الذي يملك النصر ويمنحه لعباده بما يهبه لهم من الوسائل المؤدية إليه في الظاهر كقوة الجسم وكثرة العدد وأصالة الرأي وملكة الاختراع وسائر المواد الأولية وغيرها من القوى الخفية كإلقاء الرعب في النفوس وانتشار الأوبئة والأمراض في صفوف الجند وبعث الملائكة وإسقاط الصواعق وإرسال الرياح والأمطار والزوابع إلى غير ذلك مما هو داخل تحت قدرة الله: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} فلا