الصفحة 1023 من 1760

عليها، فالإسلام بمبادئه لا يسمح له بالعدوان حيث يقول تعالى: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} وأما عدم رد قريش لمن جاءها من المسلمين، فالمسلم الذي يترك النبي باختياره ليلحق بالمشركين هم أولى به منه حيث يقول تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} .

وأما رد النبي لمن يجيئه من قريش بغير إذن وليه فإن ذلك من دواعي الفتنة التي لا يكمل إيمان المسلم إلا بها حيث يقول تعالى: {الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} فمن رد إلى المشركين وأمكن لهم فتنته فلا خير فيه ومن كان قوي الإيمان فلا خوف عليه منهم.

هذه هي الحنكة السياسية التي أظهرها النبي صلى الله عليه وسلم لا ما يتصورها رجال العصر الحاضر من المكر والخداع حيث يقولون إن السياسة لا مذهب لها ولا دين.

زيارة البيت الحرام

وما كاد يحين الوقت المحدد لزيارة البيت الحرام حتى أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يتأهب لذلك ليتملى من مشاهدته ويقضي العمرة التي تحلل منها في العام الماضي وما إن حان اليوم المعين في ذي القعدة سنة سبع الموافق فبراير 629 لسفره عليه الصلاة والسلام حتى تجمع المسلمون حوله وبلغ عددهم ألفين بعد أن كانوا في العام الماضي ألفًا وأربعمائة وأخذوا معهم سلاحهم خوفًا من قريش وغدرها وعدم تنفيذها لبنود المعاهدة. وما إن بلغوا ياجج وهو موضع على ثمانية أميال من مكة حتى علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشًا قد وفت بوعدها وأخلت له مكة واعتصمت بجبالها فأمر بالسلاح أن يلقى في ذلك الموضع وجعل عليه مائتين من أصحابه ودخل هو وأصحابه من غير سلاح وكان عبد الله بن رواحة آخذًا بخطام ناقته حتى إذا أقبل على البيت الحرام ترجل واستلم الركن وصعد بلال على الكعبة وأذن بصوته الجهوري وكانت ملأى بالأصنام فلم يعترضها ثم طاف وسعى في عز وشجاعة وقريش تنظر إلى محمد وأصحابه والحقد يأكل قلوبها وقد أخذ منها العجب غايته وهم لا يكادون يصدقون ما يرون هذا محمد بن عبد الله الذي حاربوه وأخرجوه من ديارهم وحيدًا طريدًا يرجع إليهم على رأس هذا الجمع الغفير من المسلمين الذين اعتنقوا دينه وأحبوه كل هذا الحب وساروا في ركابه. كيف تم له هذا؟ وهل من سبيل لهم لمحاربته والقضاء عليه أو ردّه إلى دينهم بعد أن بلغ إلى هذه الرتبة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت