رسول الله فقال يا رسول الله وفت ذمتك وأدى الله عنك أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي فقال رسول الله «ويل أمه مسعر حرب - (يعني موقد حرب ومهيجا) - لو كان معه رجال» ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص من ناحية ذي المروة على ساحل البحر بطريق قريش التي كانوا يأخذون عليها إلى الشام وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله لأبي بصير: «ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال» فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص فاجتمع إليه منهم قريب سبعين رجلًا فضيقوا على قريش، لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها حتى كتبت قريش إلى رسول الله بأرحامها إلا آواهم. فلا حاجة لها بهم فدعاهم رسول الله وآواهم عنده وكفى قريشًا بأسهم.
وهكذا أقام الرسول الأعظم الدليل القاطع أنه لم يكن ينوي شرًّا من رحلته وأنه يحرص على السلم جهد طاقته ولو أدى به الأمر إلى التجاوز عن كثير مما تتطلبه النفوس من الأنفة والكبرياء أو ما يقتضيه واجب الاحتفاظ بالعزة والكرامة في سبيل الوصول إلى الغاية النبيلة من غير سفك دماء.
كما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى للوفاء بالعهد بمجرد رضائه به حتى قبل كتابته وتدوينه غير آبه لما يقوله الناس عن ذلك وما يرمونه به من ضعف واستسلام فأين هذا مما وصلت إليه حالة الناس في العهد الحاضر الذي أصبحت فيه المعاهدات الدولية أشبه بقصاصات الورق تمزق عند اللزوم ولا حرج ولا تثريب.
ولقد برهن عليه الصلاة والسلام بهذه المعاهدة على أنه رجل سياسة كما هو رجل دين وأنه على جانب عظيم من الحنكة السياسية التي جعلته يحصل من قريش على كل ما يريد دون أن يعطيها شيئًا بالمرة.
أجل فلقد جاء إلى قريش معتمرًا ولم يشهر عليها سيفًا ولم يهاجمها بعتاده في ديارها ومع ذلك غلبها على أمرها واستخلص منها الاعتراف له بكل تلك الحقوق التي لا تنال عادة إلا بحد السيف وبعد نيل النصر ولم تحصل قريش منه مقابل ذلك على شيء اللهم إلا أن يكف عن دخوله عليها في ذلك العام والإسلام لا يحتم زيارة البيت الحرام في عام مخصوص بل إن الرسول أوشك أن يعود من تلقاء نفسه إثر ما اقترحته قريش عليه على لسان عثمان. أما أن يكف عن العدوان