ولأنهم لاحظوا فيها شيئًا من الاستسلام لقريش بحق تأباه كرامتهم. ولم يستطع عمر أن يتمالك نفسه وأخذته ثائرة العزة والشهامة فذهب عمر يتحدث مع أبي بكر في أمرها وكيف يرضى رسول الله بالعودة دون بلوغ قصده وكيف يقبل أن يعاهد قريشًا وهم مشركون وكيف يرضى أن يرد إلى قريش من آمن به وهي لم تعطه مثل هذا الحق. وفي هذا ما فيه إظهار المسلمين بمظهر العاجزين عن الذود عن كرامة المسلم فلم يجد من أبي بكر غير كلمة واحدة «يا عمر الزم غرزك فإني أشهد أنه رسول الله» - أي قف عند حدك فما يكون لي أن أعترض على محمد وأنا أعلم أنه رسول الله وهو أكثر غيرة على دين الله وكرامة المؤمن مني ومنك فلم يقتنع عمر بمثل هذا الجواب لما عوده رسول الله به من الشورى وحرية الرأي فذهب إلى الرسول وهو ممتلئ غيرة على دين الله فقال عمر: يا رسول الله ألست برسول الله؟ الرسول: بلى. عمر: أو لسنا بالمسلمين؟ الرسول: بلى. عمر: أو ليسوا بالمشركين. الرسول: بلى. عمر: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ الرسول: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني.
وما كاد الرسول ينطق بهذه العبارة حتى أدرك عمر أن هذه المعاهدة كانت بأمر من الله لا نتيجة اجتهاد من الرسول فأحس بخطئه فيما تكلم به عن حسن قصد وندم على ذلك وأخذ يصوم ويصلي ويتصدق ويعتق تكفيرًا لما بدر منه يومئذ.
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وقال له اكتب - بسم الله الرحمن الرحيم - فاعترض سهيل على هذه الجملة وقال لا أعرف هذا ولكن اكتب كما كنا نكتب سابقًا - باسمك اللهم - فقال رسول الله اكتب باسمك اللهم فكتبها ثم قال اكتب - هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو فقال سهيل لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فقال رسول الله اكتب - هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على أن من أتى محمدًا من قريش بغير إذن رده عليهم ومن جاء قريشًا ممن مع محمد لم يردوه عليه وأن عيبة (أي صدورًا منطوية على ما فيها لا تبدي عداوة) مكفوفة وأنه لا أسلال - أي السرقة الخفية - ولا أغلال - أي الخيانة - وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه - وهنا وثبت خزاعة فقالوا نحن في عقد محمد وعهده -