يد عمه أبي طالب أساسه أن يكف عنهم ويكفوا عنه وأن يدعهم ودينهم ويدعوه ودينه فقام وأخبر قومه بأمر الرؤيا وحضهم على السفر إلى مكة زائرين معتمرين لا يريدون قتالًا ولا ينوون محاربة قريش في عقائدهم شأنهم في ذلك كشأن سائر الزائرين من مختلف الجهات واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي ليخرجوا معه لهذا الغرض، وخرج عليه الصلاة والسلام بمن معه من المدينة في ذي القعدة سنة ست من الهجرة الموافق فبراير 628م وساق معه سبعين بدنة هديًا وأحرم بالعمرة ليعلم الناس أنه إنما خرج زائرًا للبيت معظمًا له ومضى في سبيله حتى بلغ عسفان فألفى بها بشير بن سفيان الكعبي فقال يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا بنسائهم وأطفالهم قد لبسوا جلود النمور ونزلوا بوادي طوى يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم أبدًا فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان إلى مكة برسالة إلى أبي سفيان وعظماء قريش، فلما فرغ من رسالته قالوا له إن شئت أن تطوف بالبيت فطف أما محمد فلا فقال لهم ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتبسوه عندهم ولم يردوا جواب الرسالة حتى قيل إن عثمان قد قتل، ولما اتصل خبر هذه الشائعة برسول الله قال لا نبرح مكاننا حتى نناجز القوم ودعا الناس إلى بيعته على الموت دون بلوغ غايتهم وأن لا يفروا أبدًا فبايعوه تحت شجرة هناك على ذلك. لم يثنهم عن ذلك ما هم عليه من قلة في الرجال والعتاد لأن إيمانهم بالله كان قويًّا وثقتهم به تعالى لا حد لها وقد تجردت نفوسهم من خوف الموت فلم يضعوه في حسابهم بل إنهم نظروا إليه كباب يلجون منه إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين. يجب أن يتسابقوا إليه ليظفروا بما وعدهم به ربهم الذي لا يشكون في صدق وعده ومن أجل هذه سميت هذه البيعة ببيعة الرضوان إذ أنهم لم يبايعوا الرسول فيها ولديهم شيء من الأمل في النصر أو الحياة بل إنما بايعوه على تسليم نفوسهم للرسول يتصرف فيها كيف يشاء ويضحي بها في سبيل الله وابتغاء مرضاته. وما كادت تصح منهم العزيمة حتى تقبل الله منهم هذه التضحية وأبقى على حياتهم الغالية فصرف قلوب زعماء قريش عن قتل عثمان بل وألقى في قلوبهم الرعب وتوالت الأخبار على الرسول بأن ما بلغه عن قتل عثمان لا أساس له من الصحة وكانت لتلك البيعة ذكرى طيبة في قلوب المسلمين تدعوهم إلى جمع الكلمة ومنتهى التضحية حتى أدى بهم الأمر إلى تقديس