لا شك أن الترتيب التوقيفي للآيات القرآنية بحد ذاته علم عظيم من علوم هذا الكتاب العزيز، وضرب من ضروب العظمة التي حيرت العقول، وأخذت بمجامع الألباب [1]
ومن هذه الآيات التي تبدو لأول وهلة أن لا صلة لها بين جاراتها قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس .. } وذلك أن الآيات قبلها تتحدث عن وحدانية الله عز وجل، وتقرير البعث والنشور، وامتنانه على خلقه جل في علاه بهذه النعم التي يسوقها للعباد، وتخويفه سبحانه لهم من سخطه وأليم عقابه، وأن الله تعالى ثبت ونصر عبده ونبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - من كيد الكفار المحاربين له والشانئين لدعوته ودينه، وبيّن سبحانه أن هذه سنة سنها الله عز وجل في نصر عباده المؤمنين على أعدائهم، بعد ذلك أمره بإقامة الصلاة.
فما العلاقة والمناسبة بين إقامة الصلاة وما قبلها من قضايا؟
يوضح لنا الإمام البقاعي -رحمه الله - ذلك قائلًا:
"ولما قرر أمر أصول الدين بالوحدانية، والقدرة على المعاد، وقرر أمرهم أحسن تقرير، واستعطفهم بنعمه، وخوفهم من نقمه، وقرر أنه سبحانه عصمه عليه الصلاة والسلام من فتنتهم بالسراء والضراء بما أنار به من بصيرته، وأحسن من علانيته وسريرته، صار من المعلوم أنه قد تفرغ للعبادة، وتهيأ للمراقبة، فبدأ بأشرفها فوصل بذلك قوله تعالى {أقم} أي حقيقة بالفعل، ومجازًا بالعزم عليه"
(1) لذلك فقد اعتنى علماء التفسير بهذا في كتبهم فتجدهم يذكرون هذا في ثنايا تفسيرهم، بل قد أفرده بعضهم بالتصنيف من أشهر من كتب في هذا هو برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي المتوفى سنة (885) . وهو المعروف بعلم المناسبات.