وقال في عبدالله بن محمد بن عقيل: (فأما إذا انفرد فيُحسن، وأما إذا خالف فلا يُقبل) [33] .
فتفرد من يُحسن حديثه لذاته يكون حجة عند ابن حجر إلا إذا خالف فلا يُقبل، والمخالفة لمن هو أولى منه صفةً أو عددًا توجب الشذوذ.
وممن يرى قريبًا من ذلك من القدماء: الإمام ابن حبان فقد قال في ترجمة محمد بن سليم أبي هلال الراسبي: (وكان أبو هلال شيخًا صدوقًا، إلا أنه كان يخطئ كثيرًا من غير تعمد حتى صار يرفع المراسيل ولا يعلم، وأكثر ما كان يحدث من حفظه، فوقع المناكير في حديثه من سوء حفظه) [34] ثم قال:(والذي أميل إليه في أبي هلال الراسبي:
ترك ما انفرد من الأخبار التي خالف فيها الثقات.
والاحتجاج بما وافق الثقات.
وقبول ما انفرد من الروايات التي لم يخالف فيها الأثبات، التي ليس فيها مناكير.
لأن الشيخ إذا عرف بالصدق والسماع، ثم تبين منه ولم يفحش ذلك منه، لم يستحق أن يعدل به عن العدول إلى المجروحين إلا بعد أن يكون وهمه فاحشًا وغالبًا، فإذا كان كذلك استحق الترك، فأما من كان يخطئ في الشيء اليسير، فهو عدل، وهذا مما لا ينفك عنه البشر، إلا أن الحكم في مثل هذا إذا عُلِم خطؤه تجنبه واتبع ما لم يخطئ فيه.
هذا حكم جماعة من المحدثين العارفين الذين كانوا يخطئون، وقد فصَّلناهم في الكتاب [35] على أجناس ثلاثة:
1-فمنهم من لا يُحتج بما انفرد من حديثه، ويقبل غير ذلك من روايته.
2-ومنهم من يحتج بما وافق الثقات فقط من روايته.
3-ومنهم من يُقبل ما لم يخالف الأثبات، ويحتج بما وافق الثقات) [36] .