الصفحة 6 من 45

وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فيُنظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه؛ قُبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه...

وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به، كان انفراده خارمًا له مزحزحًا له عن حيز الصحيح.

ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده؛ استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف.

فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان:

أحدهما: الحديث الفرد المخالف.

والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف) [26] .

وإذا رجعنا إلى تحديد ابن الصلاح لراوي الحسن فسنجده قد وصفه بأنه من المشهورين بالصدق والأمانة غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح؛ لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، ويرتفع عن حال من يُعد ما ينفرد به من حديثه منكرًا [27] ، ولما ذكر مثالًا لراوي الحسن لذاته اختار محمد بن عمرو بن علقمة وقال فيه: (من المشهورين بالصدق والصيانة، لكنه لم يكن من أهل الإتقان حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه، ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته، فحديثه من هذه الجهة حسن) [28] ، فتفرد مثل هذا الراوي يُعد عند ابن الصلاح حسنًا، ما لم يخالف.

وممن يرى هذا الرأي أيضًا الحافظ ابن حجر العسقلاني، فقد صَرَّح بأن ما ينفرد به مثل محمد بن إسحاق، أو عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يُعد حسنًا [29] ، وقال في موضع آخر: (ما ينفرد به ابن إسحاق، وإن لم يبلغ درجة الصحيح، فهو في درجة الحسن إذا صرح بالتحديث) [30] وقال أيضًا: (وابن إسحاق حسن الحديث، إلا أنه لا يحتج به إذا خولف) [31] .

وقال في عبدالرحمن بن أبي الزناد: (غاية أمره أنه مختلف فيه، فلا يتجه الحكم بصحة ما ينفرد به، بل غايته أن يكون حسنًا) [32] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت