ومن المعلوم أن علماء الحديث قد اتفقوا على صحة متون الكتابين إلا أحرفًا يسيرة وقع النزاع فيها، وقد سبق أن ذكرنا أننا مع الرأي القائل بعدم تحسين شيء من أحاديثهما، وإنما ذكرنا تلك الإحصائية ليُعلم أن الكلام في تفرد الصدوق في غاية الأهمية لكثرة الموصوفين بوصف"الصدوق".
ومسألة"التفرد"لها أثر ضخم جدًا في علم الجرح والتعديل، وعلم العلل، ومن تأمل كثيرًا من كتب العلل والرجال سيرى بما لا يدع مجالًا للشك أثرها الكبير في نقد العديد من كبار الأئمة.
فالنصوص التي تدل على نقد الرواة أو بعض مروياتهم بسبب التفرد أو لعدم المتابعة كثيرة جدًا في التاريخين الكبير والأوسط للبخاري، وضعفاء العقيلي، والكامل لابن عدي، وتهذيب التهذيب والعلل لابن أبي حاتم وغيرها من المصادر.
ومن أهم الأسئلة التي سنناقشها في هذا المبحث: هل تفرد الصدوق كتفرد الثقة من حيث القبول إلا في حالة مخالفته لمن هو أولى منه ؟ أم أن لتفرده حكمًا مختلفًا لانحطاط مرتبته عن مرتبة الثقة؟
أو بمعنى آخر هل تفرد من يُحسَّن حديثه لذاته محتج به إلا إذا خالف من هو أولى منه؟! أم لابد من التفريق بين ما ينفرد به من يصحح حديثه لذاته وبين من يحسن حديثه لذاته لتفاوتهما في القوة؟
وما أدلة من قبل تفرد الصدوق؟
وما أدلة من توقف في تفرد الصدوق؟
ومتى يحتمل التفرد من الراوي الصدوق؟
ومتى لا يحتمل منه ذلك؟
المطلب الأول: قبول تفرد الصدوق.
ذهب عدد من أئمة المحدثين إلى قبول تفرد الصدوق، وهذا هو اختيار جمهور المتأخرين من علماء الحديث، ولا يُستثنى من ذلك فيما أعلم إلا الذهبي وابن رجب ومن بعدهما المعلمي اليماني في بعض تطبيقاته كما سيأتي إيضاحه في المطلب القادم.
يقول الحافظ أبو عمرو بن الصلاح: (إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفًا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذًا مردودًا.