الصفحة 21 من 45

ومما يدل على أن بعض النقاد من المحدثين كان يرد بعض الأحاديث بالتفرد، ما وجدناه في كلام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت310هـ) عند كلامه على علل الأخبار التي يخرجها في كتابه (تهذيب الآثار) يقول: (وهذا الحديث عندنا صحيح سنده، لا علة فيه توهنه، ولا سبب يضعفه، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيمًا غير صحيح، لأنه خبر لا يعرف له مخرج عن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، والخبر إذا انفرد بنقله عندهم منفرد وجب التثبت فيه ) [25] .

فهو ينقل عن غيره من أهل العلم أن الحديث إذا انفرد به منفرد ولو كان ثقة يجب التثبت في ذلك الخبر، وذلك في عشرات [26] النصوص مما يدل على انتشار هذا الأمر واشتهاره، وإن كان الطبري كما هو ظاهر كلامه لا يرى ذلك سببًا لرد الحديث، ولكنه يورد من المتابعات والشواهد ما يجعل تلك العلة لا محل لها.

وممن نقل التوقف في حديث الصدوق ابن أبي حاتم فقد قال: (يكتب حديثه وينظر فيه) وقد شرحنا معنى كلامه هذا فيما تقدم وأنه لا يعني التوقف مطلقًا.

وقد سمى أبو عبدالله الحاكم [27] ما ينفرد به الثقة ولا يكون له أصل متابع له شاذًا، وهذا المذهب كما قال النووي: (مذهب جماعات من أهل الحديث، وقيل إنه مذهب أكثرهم) [28] ، مع العلم أن الحاكم لا يرى ذلك من قسم المردود بل هو عنده من الصحيح المتفق عليه [29] ، وتسمية المنفرد بالشاذ دال على الرد كما سيأتي في كلام الخليلي وإن لم يصرح به الحاكم.

وقال الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبدالله الخليلي (ت446هـ) :(وأما الشواذ فقد قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز: الشاذ عندنا ما يرويه الثقات على لفظ واحد، ويرويه ثقة خلافه زائدًا أو ناقصًا.

والذي عليه حفاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة. فما كان من غير ثقة فمتروك لا يُقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به) [30] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت