فإذا كان هذا في الثقات، وعُرف أن الفرق الجوهري بين الثقة والصدوق هو في"خفة الضبط"أو وجود بعض الأوهام غير الكثيرة؛ فما المانع أن يُعامل الصدوق كالثقة في ذلك، لاسيما وأن اسم القبول شامل لهما، وأن الفرق بينهما يسير، ولا يبلغ أن يكون مؤثرًا في حكم تفرد أحدهما عن الآخر.
5-من المعلوم أن كثيرًا من الرواة يحرصون على أن يتفردوا عن أقرانهم وزملائهم بأحاديث حتى يتميزوا بذلك.
وأخبار المحدثين في ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال قول عبدالرزاق: (كنتُ أسمع الحديث من العالم فأكتمه حتى يموت العالم) [7] .
وقال قيس بن الربيع: (كنا إذا أتينا المشايخ قَدَّمنا سفيان الثوري فكتب لنا، وكان أخفنا كتابة، فكان إذا مر بحديث صغيرٍ حسن، حَفِظه ولم يكتبه، ففطنا له، فعزلناه) [8] .
وقال شعبة: (حدثنا سلمة بن كُهيل - والحمد لله الذي لم يسمع سفيان منه - عن أبي عمرو الشيباني عن عبدالله...) [9] .
وقال ابن معين: (أشتهي أن أقع على شيخ ثقة عنده بيت مليء كتبًا، أكتب عنه وحدي) [10] .
وقال ابن جريج لسفيان بن عيينة: (أما أنت مسلم؟! تخبئ عني الأحاديث حتى يذهبوا) [11] .
وقد خصص الحافظ الخطيب البغدادي بابًا سماه: (المنافسة في الحديث بين طلبته، وكتمان بعضهم بعضًا للضن بإفادته) ، أورد فيه جملة من قصص المحدثين وأخبارهم في ذلك [12] .
ولا شك أن المحدثين كغيرهم من البشر يحبون التميز، ولكن حبهم لذلك يختلفون فيه - أو يختلف أكثرهم إن شاء الله - فيه عن غيرهم بأنه رغبة في الثواب وزيادة الأجر وحرص على المعروف والتنافس في الخير.