الصفحة 18 من 45

وعلى أية حال فالمراد هنا تقرير حقيقة لا نزاع فيها، وهي أن رواة الحديث بمن فيهم من قيل فيه:"صدوق"ومن في حكمه، يحرصون على أن يحظوا بأحاديث لا يشاركهم في روايتها أحد آخر، ومن لم يفهم هذا الدافع يظن أن تفرد الصدوق دلالة على الخطأ لعدم رواية بعض أقرانه من الثقات لذلك الحديث، والواقع أنه فعل ذلك عن قصد ليحظى بالتفرد من دونهم، ففي عدم الأخذ بتفرده رد لبعض السُنة بسبب الغفلة عن هذا الدافع النفسي الفطري.

المطلب الثاني: التوقف في تفرد الصدوق.

علمنا فيما مضى أن جمهور المتأخرين على المذهب القائل بقبول تفرد الصدوق، حتى كاد مذهب المتوقفة في تفردات بعض الثقات والصدوقين أن يندثر، وتنطمس معالمه، لولا أن الحافظين الذهبي وابن رجب قد نبها عليه، وعملا به، وطرحوا تحقيقات نفيسة وتدقيقات مليحة في ذلك.

يقول الإمام الذهبي: (وقد يتوقف كثير من النقاد في إطلاق(الغرابة) مع (الصحة) ، في حديث أتباع الثقات، وقد يوجد بعض ذلك في الصحاح دون بعض، وقد يُسمي جماعة من الحفاظ الحديثَ الذي ينفرد به مثل هشيم، وحفص بن غياث: منكرًا) [13] .

ويقول ابن رجب:(وانفراد الراوي بالحديث، وإن كان ثقة، هو علة في الحديث يوجب التوقف فيه، وأن يكون شاذًا ومنكرًا، إذا لم يرو معناه من وجه يصح.

وهذه طريقة أئمة الحديث المتقدمين كالإمام أحمد، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني وغيرهم) [14] .

ويقول في موضع آخر: (وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه:(إنه لا يُتابع عليه"، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه) [15] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت