شيئًا من الحماس أو الزهو في نفوسهم ، وظلوا على هذه الحال حتى بدأ الغربيون
بالكشف عن كنوزهم ولفت أنظارهم إليها منذ اتجهت مطامعهم إلى بلادهم .
وللأوروبيين في ذلك أسلوب خبيث ماكر ؛ فهم يبدؤون التنقيب ببعوث من علماء
الآثار الغربيين ، حتى إذا حققوا ما يهدفون إليه من اهتمام كل بلد من هذه البلاد
بتراثه القديم وتحمسه له وغيرته عليه ، ورأوا أن هذه الغيرة تدفعه إلى منافسة
الأجانب في هذا الميدان الذي يعتبر نفسه أوْلى به وأحق ، بوصفه وارث هذه
الحضارة ، عند ذلك يتخلون عن مهمتهم ويتركونها في رعايته ، مطمئنين إلى أنه
سيوالي السير في الخطوط التي رسموها له .
والأدلة على هذا الأسلوب الخبيث كثيرة لا تعوز الباحث ؛ فقد بلغ من اهتمام
الأوروبيين بنبش هذا التاريخ القديم واتخاذه أساسًا لتدعيم التجزئة الجديدة للوطن
العربي أن عصبة الأمم قد نصَّت في صك انتداب بريطانيا إلى فلسطين على
الاهتمام بالحفريات ، وذلك في المادة ( 21 ) التي تنص على: « أن تضع الدولة
المنتدبة وتنفذ في السنة الأولى من تاريخ تنفيذ هذا الانتداب قانونًا خاصًا بالآثار
والعاديات ينطوي على الأحكام الآتية .. » ، وكذلك كان شأن الفرنسيين في سوريا
ولبنان ، فقد كان أول ما اهتم به الفرنسيون أن ألَّفوا في خلال الحرب العالمية
الأولى لجانًا في دمشق و بيروت لكتابة تاريخ الشام ، فكتبوا منه بعض تاريخ لبنان
وأهملوا تاريخ سوريا ، ثم لم يلبث الآباء اليسوعيون في بيروت أن كلفوا ثلاثة من
رهبانهم الفرنسيين سنة 1920م بكتابة هذا التاريخ ، بعد أن قسموه إلى ثلاثة
عصور: العصر الآرامي والفينيقي ، والعصر اليوناني والروماني ، والعصر
العربي .
ومما لا تخفى دلالته في هذا الصدد أن الثري الأمريكي اليهودي الأصل
روكفلر ( ابن روكفلر الكبير ) صاحب الملايين ، قد أعلن سنة 1926م عن تبرعه
بعشرة ملايين دولار أمريكي لإنشاء متحف للآثار الفرعونية في مصر ، يلحق به