الصفحة 8 من 31

3 -أن تعظيم الرب عزّ وجلّ لا يتمّ إلا بتعظيم أمره ونهيه، والنص الشرعي وعاء الأمر والنهي الإلهييّن، فتعظيمهما متوقّف على تعظيمه.

إذا تقرّر هذا: فما عظّم اللهَ من تهاون في النص الشرعي بصورةٍ ما، وسيقع من نقصه لتعظيم ربّه بقدر نقصه لتعظيم النص الشرعي ولا بدّ؛ لما بينهما من التلازم السابق ذكره، فالأخذ بطرف من النصوص دون طرف، أو تقديم رأي أو قياس أو قول أحد كائنًا من كان عليها، أو الجرأة عليها بتأويل فاسد، كل ذلك مناقض لتعظيم النص الشرعي المستلزم لمناقضة تعظيم الله سبحانه، والعياذ بالله.

قال ابن القيّم:"أوّل مراتب تعظيم الحق عزّ وجلّ: تعظيم أمره ونهيه، وذلك لأن المؤمن يعرف ربه عزّ وجلّ برسالته التي أرسل بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى كافة الناس، ومقتضاها الانقياد لأمره ونهيه، وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله عزّ وجلّ واتباعه، وتعظيم نهيه واجتنابه، فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تعالى ونهيه دالًا على تعظيمه لصاحب الأمر والنهي، ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار والمشهود لهم بالإيمان والتصديق وصحة العقيدة والبراءة من النفاق الأكبر".

المبحث الرابع: تحقيق تعظيم حرمات الله تعالى وشعائره

حثّ الله عباده على تعظيم أمرين في كتابه ومدح القائم به، وهما: حرماته وشعائره، فقال سبحانه: {ذلكَ ومن يُّعظّم حُرُماتِ اللهِ فهو خيرٌ لّه عند رَبّه} ( [41] ) ، وقال تعالى: {ذلكَ ومن يُعظّم شعائرَ اللهِ فإنّها مِن تَقوى القلوبِ} ( [42] ) ، فتعظيم الحرمات والشعائر إذن مطلبٌ شرعيٌ عظيمٌ.

فأما الحرمات: فهي معاصي الله ومحّرماته ومغاضبه ( [43] ) ،"وكل ماله حرمة وأُمر باحترامه بعباده أو غيرها، كالمناسك كلها وكالحرم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر الله بالقيام بها". ( [44] )

وما ذكره المفسّرون من معانٍ مختلفة للحرمات فهو من باب اختلاف التعدّد، لا اختلاف التضادّ، والصواب أن الحرمات تعمّ ذلك كله،"وهي جمع (حُرمة) ، وهي ما يجب احترامه وحفظه من الحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن". ( [45] )

وتعظيم الحرمات يكون بحسب الحرمة المراد تعظيمها، لكن جماع ذلك أن تعظيمها:"توفيتها حقّها وحفظها من الإضاعة" ( [46] ) "وإجلالها بالقلب ومحبّتها وتكميل العبودية فيها غير متهاون ولا متكاسل ولا متثاقل". ( [47] )

فالنص الشرعي - بهذا المعنى - من الحرمات؛ لأنه من أعظم ما يجب احترامه، فبه تتحقق عدد من مقاصد الشريعة ومطالبها - كما تقدّم -، ولأنه وحي الله المنزّل من فوق سبع سماوات على خير أنبيائه محمد - صلى الله عليه وسلم - بواسطة خير ملائكته جبريل - عليه السلام -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت