وفي دقائق تطبيق هذا التعظيم للنص الشرعي يقول إمام المقاصد الشاطبيُّ:"إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية: فعلى شرط أن يتقدم النقل، فيكون متبوعًا، ويتأخّر العقل فيكون تابعًا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرّحه النقل"، ثم شرع يستدل لذلك رحمه الله. ( [37] )
المبحث الثالث: تحقيق تعظيم الله جلّ جلاله
تعظيم الله جلّ ثناؤه وتقّدست أسماؤه مطلبٌ شرعيٌ عظيمٌ، فهو مجمع الإيمان، وأساس العبودية، وصلب كل عمل صالح، وركيزة كل فضيلة، وجماع أعمال القلوب من حب وخوف ورجاء واستعانة وتوكل وإنابة وخشوع، وهو قِوام صلاح العبد وفلاحه.
بتعظيم الله سبحانه تقوم الأرض والسماوات، وبتمجيده وتسبيحه تنطق المخلوقات: {تّسبِّحُ له السّموَاتُ السبعُ والأرضُ ومَن فيهنَّ وإن مِّن شيءٍ إلا يُسبِّحُ بحمدِهِ ولكن لا تَفقهُونَ تسبيحَهم إنّه كانَ حليمًا غفورًا} ( [38] )
وما آفة الغواية والضلال والشرك بالله سبحانه إلا ناشئة من الجهل بحق الله سبحانه من التعظيم الواجب له عزّ وجلّ: {وَمَا قَدَروا اللهَ حقَّ قدرِهِ والأرضُ جميعًا قبضتُهُ يومَ القيامةِ والسّموَاتُ مطوِيَّاتٌ بِيمينِهِ سبحانَهُ وتعالى عمّا يُشركونَ} . ( [39] )
فتعظيم الله سبحانه واقع في الشريعة مقصدًا باعتبار، ووسيلةً باعتبار آخر: فهو مقصد من كل العبادات القلبية والبدنية؛ إذ غايتها إثبات الفقر والحاجة والمسكنة للعبد، بخضوع وانقياد تام واستسلامٍ ظاهرٍ وباطنٍ، وإثبات الكمال والغنى والقيومية للخالق سبحانه، وهذا هو حقيقة تعظيم الله سبحانه وتعالى.
وهو وسيلة في ذاته في كثير من العبادات والأذكار القائمة على تعظيم الله سبحانه، فالتسبيح والتهليل والتكبير تعظيمٌ صريحٌ لله سبحانه، مشروع في أوقات متعدّدة وأماكن مختلفة، وجوبًا تارة واستحبابًا تارة أخرى، وكذلك الركوع والسجود في انحناء الصلب ووضع الجبهة في الأرض تعظيمٌ صريحٌ لله سبحانه، يتأكّد بمثل قوله - صلى الله عليه وسلم:"وأمّا الركوع فعظِّموا فيه الربّ عزّ وجلّ" ( [40] ) ، ومثل ذلك الحجّ المشتمل على مفارقة الأوطان واحتمال المشاقّ والتجرد من الشهوات وحظوظ النفس واجتناب المباحات وقت الإحرام، كل ذلك تعظيمٌ جليٌ لمن أحرم له الحاجّ منذ قوله في مستهلّ إحرامه: لبّيك اللهمّ لبّيك!!
ولئن كانت نصوص الأسماء والصفات الإلهية المبثوثة في الكتاب والسنة سبيلًا من سبل تحقيق تعظيم الله سبحانه وتعالى؛ فإن تعظيم النص الشرعي سبيل آخر من سبل تعظيم الله جلّ جلاله من وجوه ثلاثة:
1 -أن النص الشرعي وحيٌ إلهيٌ عظّم الله شأنه ورفع قدره، - كما تقدّم في المبحث الأول -، فتعظيم ما عظّم الله تعظيم له سبحانه.
2 -أن الوحي الشرعي كلام الله سبحانه، وكلامه صفة من صفاته العلّية، فتعظيمه تعظيم لله عزّ وجلّ.