فتصدير السورة بهذه الآية يعني اعتلاء هذا الأدب - وهو تعظيم النصّ الشرعي - على كل آداب الإسلام وتقدّمه عليها!
ومقتضى هذه الآية الجليلة: تأصيل التعظيم للنصّ الشرعي، وذلك بالنهي عن تقديم أيّ شيء بين يديه، بحيث يبقى النص متبوعًا لا تابعًا، وقد حُذف المفعول لقصد التعميم أو للقصد إلى نفس الفعل، أي النهي عن التقديم بين يدي الله ورسوله. ( [25] )
قال مجاهد في معنى الآية:"لا تفتاتوا على رسول - صلى الله عليه وسلم - بشيء حتى يقضيه الله على لسانه". ( [26] )
وقال ابن زيد:"لا تقطعوا الأمر دون الله ورسوله" ( [27] ) ، وقال سفيان:"لا تقطعوا أمرًا دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". ( [28] )
قال السعدي:"هذا متضمن للأدب مع الله تعالى، ومع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والتعظيم له واحترامه وإكرامه". ( [29] )
وخصّ ابن العربي هذه الآية بمسألة فقال عنها:"أصلٌ في ترك التعرّض لأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإيجاب اتباعه والاقتداء به" ( [30] ) .
وقد استفاضت النصوص الشرعية في بيان هذا الأصل العظيم وتقريره والتأكيد عليه، وهو توفير التعظيم والإجلال الوافيين للوحي الشرعي (كتابًا وسنةً) ؛ وصولًا إلى الخضوع والانقياد والاستسلام والعمل الخالص بما جاء به، كما في قوله تعالى: {وما آتاكمُ الرسولُ فخُذوهُ وما نَهاكُم عنهُ فانتَهُوا واتّقوا اللهَ إنّ اللهَ شديدُ العقابِ} ( [31] ) ، وقوله عزّ وجلّ: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمنونَ حتى يُحكِّموكَ فيما شَجَرَ بينهُم ثمّ لا يَجِدوا في أنفُسِهِم حَرجًا مّمّا قَضيتَ ويُسلِّموا تسليمًا} ( [32] ) ، وقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم:"لا أُلفيّن أحدَكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما أمرتُ به أو نهيتُ عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". ( [33] )
بل بلغ التعظيم للنص الشرعي في كتاب الله إلى أن يكون حدًا فاصلًا بين أهل الإيمان وغيرهم، فقد قال ربنا سبحانه عن المنافقين: {ويقولونَ آمنّا بِاللهِ وبالرسولِ وأطَعنا ثمّ يتولّى فريقٌ منهُم من بعدِ ذلكَ وما أولئكَ بالمؤمنينَ * وإذا دُعوا إلى اللهِ ورسولِهِ ليَحكُمَ بينهم إذا فريقٌ منهم مُّعرضونَ} ( [34] ) ، فالإعراض والتولّي بحضرة النص الشرعي سمت المنافقين وشأنهم، ثم ذكر الله أهل الإيمان عقبهم فقال عنهم: {إنّما كانَ قولَ المؤمنينَ إذا دُعوا إلى اللهِ ورسولِه ليَحكُم بينهم أن يَّقولوا سمِعنَا وأطعنا وأُولئك هُمُ المفلحونَ} ( [35] )
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين أنه لا يقبل من أحد أن يعارض القرآن رأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده". ( [36] )