-العصبية الذميمة للأئمة على حساب النصوص الشرعية.
المبحث الثاني: تحقيق مقصد الشريعة من التكليف
"المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلّف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبدٌ لله اضطرارًا" ( [20] ) .
وهذا المقصد الذي أفصح عنه الإمام الشاطبي يستلزم عدّة لوازم، تقوم كلها على تعظيم النص الشرعي:
فمجانبة الهوى، ومخالفة النفس الأمّارة بالسوء، وامتثال الأمر والنهي الشرعّيين، وعدم التقديم بين يدي الله ورسوله، واحتمال المشاقّ في التكليف، وإيثار مرضاة الله، والتجافي عن موارد سخطه، ونحو ذلك من المعاني المحقّقة لحقيقة العبودية لله رب العالمين: إنما تقوم على ساق التعظيم للنصّ الشرعي.
فتجلى حينئذ أنّ تعظيم النصّ الشرعي تحقيق لمقصد امتثال المكلّف لشريعة الله، وخروجه عن دواعي الهوى.
وصريح ذلك في قول الله عزّ وجل: {وَما كانَ لمؤمنٍ ولا مُؤمنةٍ إذا قَضَى اللهُ ورسولُه أمرًا أن يكونَ لهُمُ الخِيَرةُ من أمرِهم وَمن يَّعصِ اللهَ ورسولَهُ فقد ضلَّ ضَلالًا مُّبينًا} ( [21] ) ، فحيث كان الأمر الذي قضاه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وجب أن يكون محلّ تقديم يوجبه التعظيم للوحي، بحيث يتلاشى معه كل اختيار للنفس أو ميلٍ للهوى، وإلا كان عصيانًا لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - يستلزم ضلالًا مبينًا يهوي به العبد في درك الشقاء، والعياذ بالله.
وفي قصّة صلح الحديبية درس بليغ للأمة، حين اصطلح النبي - صلى الله عليه وسلم - وقريشًا على شروط امتعضت لها نفوس بعض الصحابة - رضي الله عنهم -، فلما أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتحلّل من إحرامهم ثلاث مرات وجد منهم تردّدًا وشيئًا من التأخّر، فشقّ عليه - صلى الله عليه وسلم -، حتى أشارت عليه أم سلمة رضي الله عنها بأن يبدأ هو بما يريد، ففعل، فقاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا. ( [22] )
فمع أن الذي كان من الصحابة - رضي الله عنهم - شئٌ من عدم التوقّع لما حصل، نتج عنه بعض التأخر في الاستجابة لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا أنه جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يجد من ذلك في نفسه حتى دخل على زوجه أُم سلمة رضي الله عنها فيذكر لها ما وجد من الناس!
وحاشاهم - رضي الله عنهم - أن يكون ذلك منهم انتقاصًا لكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - أو قلّة اكتراث به، ولكن مجّرد التباطؤ فيه كان سببًا لوَجْد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يزل الصحابة - رضي الله عنهم - يعُونَ هذا الدرس، حتى قال سهل بن حنيف - رضي الله عنه - يوم صفيّن:"اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أردّ أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددتُّه"! ( [23] )
ولم يزل قول الله سبحانه: {ياأيّها الذينَ آمَنوا لا تُقدّموا بينَ يَدَيِ اللهِ ورسولِهِ} ( [24] ) قاعدة عظيمة من قواعد التعظيم لقول الله وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - (النص الشرعي) ، وهذه الآية هي مفتتح سورة الحجرات، وهي السورة التي جاءت بتقرير الآداب الشرعية لأهل الإيمان مع ربهم سبحانه، ومع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، ومع بعضهم حال الوفاق والشقاق، ومع الناس جميعًا،