الصفحة 4 من 31

وكذلك جاء تعظيم السُنّة في كتاب الله: {ما ضلّ صاحبُكم وما غوى * وماينطق عن الهوى * إن هو إلا وحيٌ يوحى} ( [13] ) .

وقد بلغ الوصف غايته في تعظيم كتاب الله في آيتين، إحداهما قوله عزّ اسمه: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ٍ لرأيته خاشعًا مُّتصدِّعًا من خشيةِ اللهِ وتلكَ الأمثالُ نضربُها للناسِ لعلّهم يتفكّرُونَ} ( [14] ) ، والأخرى قوله جلّ ثناؤه: {ولو أنّ قُرآنًا سُيّرت به الجبالُ أو قُطّعت به الأرضُ أو كُلّم به الموتى بل للهِ الأمرُ جميعًا} ( [15] ) ، أي لكان هذا القرآن! ( [16] )

وجاء تعظيم القرآن في القرآن على نحوٍ آخر، فيه ذمٌّ شديد ووعيدٌ أكيد وتحقيرٌ مهين لمن انتقص قدر القرآن واستخفّ به ورفع عنه حجاب العظمة والإجلال، كما فعل الوليد بن مغيرة، فقال الله عنه: {إنه فكّر وقَدّر * فقُتِل كيف قَدّر * ثم قُتِل كيف قَدّرَ * ثمّ نَظَر * ثمّ عَبسَ وبَسَرَ * ثمّ أدبرَ واستَكبرَ * فقالَ إن هذا إلا سحرٌ يؤثَرُ * إن هذا إلا قولُ البشرِ * سأصليه سقرَ * وما أدراكَ ما سَقرُ * لا تُبقي ولا تَذرُ * لوّاحةٌ للبشرِ * عليها تسعةَ عشرَ} ( [17] ) .

إنه التعظيم العظيم للوحي (النص الشرعي) ، والمقصد الشرعي الجليل من التنزيل، المتقرّر جليًا في كتاب الله الكريم!

وإنما عظُم شأن هذا المقصد لِما يورثه من صدق الإيمان وتمام الاستسلام وحسن العمل للنص الشرعي كتابًا وسنةً، وهي معانٍ منصوصة أيضًا في كتاب الله، في مثل قوله سبحانه: {فإن تنازعتم في شيءٍ فرُدّوه إلى اللهِ والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليومِ الآخِرِ ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلًا} ( [18] ) ، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدّموا بين يَدَيِ الله ورسوله} ( [19] ) .

فكل ما ينافي تعظيم النص الشرعي مناقض لمقصد الشريعة من التنزيل، الذي تواترت النصوص الشرعية على تقريره وإثباته، ولذلك صور متعددة، منها:

-الإلحاد في كتاب الله، وإنكار قرآنيته، ودعوى أنه مخلوق أو صنعةٌ محمّدية، كما زعم الأفّاكون قديمًا وحديثًا.

-حجب السنة النبوية عن الاحتجاج بها، بدعوى الاكتفاء بالقرآن والاستغناء به عن غيره.

-تقديم العقل ومحاكمة النّص الشرعي إليه.

-التأويل الفاسد للنصوص الشرعية، وليّ أعناقها؛ لموافقة الأهواء.

-التقعيد الباطل لما يحجّم النص الشرعي ويقدّم غيره عليه، كتقديم المصلحة على النص عند التعارض، أو القياس على خبر الآحاد الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت