الصفحة 3 من 31

المبحث الأول: تحقيق مقصد الشريعة من التنزيل

"من مقاصد الشريعة من التشريع أن يكون نافذًا في الأمّة , وأن يكون محترمًا من جميعها؛ إذ لا تحصل المنفعة المقصودة منه كاملةً بدون نفوذه و احترامه , فطاعةُ الأمّةِ الشريعةَ غرضٌ عظيمٌ، وإنّ أعظم باعث على احترام الشريعة ونفوذها أنها خطاب الله تعالى للأمة!"

فامتثال الأمّة للشريعة أمر اعتقادي تنساق إليه نفوس المسلمين عن طواعية واختيار؛ لأنها ترضي بذلك ربّها، وتستجلب به رحمته إياها وفوزها في الدنيا والآخرة". ( [1] ) "

هذا المقصد الجليل الذي أفصح عنه العلامة ابن عاشور يتلخّص في أن تعظيم النص الشرعي (وهو الوحي كتابًا وسنّة) مقصد من مقاصد التشريع، تحقيقًا لنفوذه والانقياد له؛ لكون التعظيم أعظم بواعثه ودوافعه.

وقد عظّم الله تنزيله أيّما تعظيم فقال سبحانه: {وإنه لتنزيلُ ربّ العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسانٍ عربي مبين * وإنه لفي زُبر الأولين} . ( [2] )

بل وقع تعظيم القرآن في القرآن في مواضع كثيرة وعلى أنحاء متعددة، تجتمع كلها في زرع تعظيم الوحي في قلوب العباد، ومن ذلكم: القسمُ بالقرآن: {ص والقرآنِ ذي الذّكرِ} ( [3] ) ، {والكتابِ المُبينِ} ( [4] ) .

ومنه أيضًا: إضافته سبحانه تنزيل القرآن إليه عزّ وجلّ: {تنزيلُ الكتابِ من اللهِ العزيزِ العليمِ} ( [5] ) ، {تنزيلُ الكتابِ من اللهِ العزيزِ الحكيمِ} ( [6] ) ، {كتابٌ أنزلناهُ إليكَ مبارَكٌ} ( [7] ) ، بل وتكفّله سبحانه بحفظه: {إنّا نحنُ نزّلنا الذِّكرَ وإنّا لهُ لَحَافِظونَ} ( [8] ) ، وفي ذلك غاية التعظيم والإجلال.

وفي سياق هذا التعظيم تندرج كل الأوصاف الجليلة التي وُصف بها القرآن في القرآن: {وكذلكَ أوحينا إليك رُوحًا من أمرِنا ما كُنتَ تدرِي مَا الكِتابُ ولا الإيمانُ ولكن جَعلناهُ نورًا نّهدي به من نّشاءُ مِن عبادِنا} ( [9] ) ، {ذلكَ الكتابُ لا ريبَ فيهِ هُدًى لِّلمتّقينَ} ( [10] ) {يا أيُّها النّاسُ قد جَاءتكُم مَّوعِظةٌ من رَّبِكم وشِفاءٌ لمِّا في الصُّدورِ وهُدىً وَّرحمةٌ لِّلمؤمِنينَ} ( [11] ) ، {قرآنًا عجبًا} ( [12] ) .

فالروح والنور والهدى والموعظة والشفاء والرحمة والعجب وغيرها كثيرٌ كثيرٌ، كلها أوصاف للقرآن سيقت مساق تعظيمه ليقع موقعه في قلوب العباد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت