فتاريخ الرواة ومعرفة أحوالهم حفظًا وديانة (الضبط والعدالة) أوما سُمي بعلم الرجال أو الجرح والتعديل أضحى علمًا لا ساحل لبحره، تفنى فيه الأعمار، وتفرّد بالإمامة فيه آحاد الأئمة المحدّثين!
وجمع طرق الأحاديث واستقصاء أسانيدها لكشف مواطن الخلل والوقوف على العلل وإثبات المحفوظ من الشاذّ هو الآخر علمٌ غامض دقيق خفي، لا يكاد يحسنه إلا الواحد بعد الواحد من أفذاذ الحفّاظ وجهابذة النقّاد!
وأما التدوين للسنّة وجمعها والتفنّن في تصنيفها إلى جوامع وسنن و مسانيد و موّطآت ومستدركات و زوائد ... ، فهي عبقرية فذّة في خدمة السنة بحفظها وجمعها.
ومن ثمّ كانت المصطلحات المتداوَلة لدى المحدّثين في هذا الفنّ بحاجة إلى جمع وبيان، فنشأت كتب أصول الحديث أو المصطلح أو علوم الحديث، وأفردت بالتصنيف، حتى بلغ بها ابن الصلاح في كتابه خمسة وستين نوعًا، قائلًا:"وليس بآخر الممكن في ذلك، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى؛ إذ لا تحصى أحوال الرواة وصفاتهم، ولا أحوال متون الحديث وصفاتها، وما من حالة منها ولا وصفة إلا وهي بصدد أن تفرد بالذكر وأهلُها، فإذا هي نوع على حياله!". ( [103] )
وما جمعه ابن الصلاح في كتابه من علوم الحديث إنما هو جمع لشتات ما صنّفه أئمة الحديث قبله، كالحاكم في معرفة علوم الحديث، والخطيب البغدادي في الكفاية، بل لا يكاد يخلو نوع من تلك الأنواع من تصنيف مستقل فيه للخطيب البغدادي!!
فهذه العلوم التي أشاد صروحها السلف، إنما كانت خدمة لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعظيمًا لها وإجلالًا.
وهي مع ما سبق بيانه من جهودهم في علوم القرآن معلم من معالم تعظيمهم للنص الشرعي من خلال خدمته، فرحمهم الله، وسلك بنا سبيلهم.
الخاتمة
الحمدلله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه، أما بعد:
فقد يسّر الله بكرمه وفضله إتمام هذا البحث الموسوم بـ"تعظيم النص الشرعي .. مكانته ومعالمه"، العظيم في موضوعه المتّسع في محتواه، وهو قائم على محورين اثنين: أحدهما: مكانة تعظيم النص الشرعي في الشريعة، وموضعه من كلياتها ومقاصدها العظام، والآخر: معالم هذا التعظيم التي تحققه، وأمثلة ذلك وتطبيقاته لدى سلف الأمة الكرام، وموجز ما اشتمل عليه مايلي:
1 -أن مكانة تعظيم النص الشرعي في الشريعة تبرز من خلال تحقيقه لمقصدين ومطلبين، أما المقصدان فهما: مقصد الشريعة من التنزيل، ومقصد الشريعة من التكليف، وأما المطلبان فهما: تعظيم الله جل جلاله، وتعظيم حرمات الله وشعائره.