الصفحة 22 من 31

كل ذلك معالم جلية بارزة في تاريخ السلف الكرام، تدلّ على تعظيمهم العظيم للنصوص الشرعية، تعظيمًا حملهم على بلوغ الغاية في فهمه وإدراك معانيه ومعرفة مراده، تحقيقًا لامتثال أتمّ وعبودية أصدق.

المبحث الخامس: خدمة النّص الشرعي

من معالم تعظيم النص الشرعي لدى السلف تفانيهم في خدمته من كل وجه يقوم به بين المكلّفين في الأمة، ويشمل ذلك حفظه ونشره وتيسير تناوله وتقريب أخذه، فقامت علوم مستقلّة برأسها في الأمّة، لم يكن لقيامها من غرض سوى خدمة النّص الشرعي، فتجرَّد المصنَّفات والدواوين، ويدرسها طلبة العلم، ويحفظونها ويرتحلون في طلبها وتحصيلها، خدمةً للكتاب والسنة وتعظيمًا لشأنهما.

وهي التي اصطُلح على تسميتها بكلٍ من: علوم القرآن، وعلوم الحديث، وفي كلٍ منهما من فنون العلم وتفاريعه ما يخدم النّص الشرعي بمختلف الوجوه.

فأمّا علوم القرآن: فهي لون فريد من الغوص على علومه: مكّيّه ومدنيّه، وأسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، ووقفه وابتدائه، وتجويده ورسمه وضبطه، وفواصله وعدّ آيه، وقراءاته وتوجيهها، وإعرابه ونحوه وبلاغته، ومحكمه ومتشابهه، وأسلوبه وإعجازه، بل تناولت جزيئات دقيقة منه، كمعرفة أول ما نزل وآخره، وترتيب نزوله، وما نزل صيفًا وما نزل شتاءً، وما نزل ليلًا وما نزل نهارًا ... ، ونحو ذلك من علوم القرآن التي حوتها مجاميع من مصنفات السلف، كـ (فنون الأفنان في علوم القرآن) لابن الجوزي، و (جمال القرّاء وكمال الإقراء) لعَلَم الدين السخاوي، و (البرهان) للزركشي، ثم (الإتقان) للسيوطي الذي بلغ فيه ثمانين نوعًا من علوم القرآن على سبيل الدمج والإجمال، ولو فصّلها باعتبار ما أدمجها فيه لزاد على الثلاثمائة! ورغم هذا التفنّن؛ فإن كثيرًا من تلك العلوم أفردت بتصانيف مستقلة، كالناسخ والمنسوخ وأسباب النزول، وغريب القرآن، بل منها ما أضحى علمًا ذا تآليف تفوق الحصر، كعلم القراءات وعلم الرسم والضبط، والتجويد، والوقف والابتداء.

وقد كانت هذه العناية بتدوين علوم القرآن على سبيل التوسع خدمةً له منذ وقت مبكِّر، فكتاب (البرهان في علوم القرآن) لعلي بن إبراهيم الحوفي (330هـ) ، واقع في ثلاثين مجلّدة، والموجود منها خمسة عشر مجلدًا! ( [102] )

فتعدّد هذه العلوم الخادمة لكتاب الله، ثم تعدد مصنفاتها مفردة ومجموعة، دليل متّسع على عظيم عناية السلف بخدمة كتاب الله الكريم، لا يحملهم على ذلك سوى تعظيمٍ وَقَر في قلوبهم لكلام ربهم الكبير المتعال.

وأما علوم الحديث: فباب عظيم من خدمة السنة النبوية، بدءًا بتدوينها وحفظها وروايتها، وانتهاءً بتمييز ثابتها من مردودها.

ونظرًا لانقسام السنّة إلى مقبول ومردود؛ فقد تنوّعت علومها بما يخدم هذا القصد العظيم، الذي يمرّ بمراحل عدّة، من التحقّق من اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبط حفظهم، وانتفاء الشذوذ والعلل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت