وعن ابن أبي مليكة قال: رأيتُ مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير كله ( [99] ) ، كما أن مصنّفات التفسير التي تُعنى بكامل القرآن ذات وفرة، كتفسير ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري، وكتفسير ابن عطية والبغوي وابن كثير وابن الجوزي وغيرهم كثير.
ومن التفسير بالمأثور صنيع أئمة الحديث بتخصيص أبواب في مصنفاتهم لرواية ما يُنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من التفسير، كما فعل البخاري في صحيحه والترمذي في جامعه.
-غريب القرآن الكريم: وهذا النحو من فهم كتاب الله مقتصر على الغريب من ألفاظه، والعناية به رواية وتصنيفًا دليل واضح على تمام عناية السلف بفهم القرآن الكريم، ومن ذلك كتب: معاني القرآن للأخفش، ومثله للفرّاء وللزجّاج، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني على نحو أوسع من الغريب.
-أسباب النزول: ومع أنها يردُ ذكرها تبعًا في تفسير الآيات والسُّور، إلا أنها أُفردت بالتصنيف، مزيدًا من الاهتمام بها والعناية بفهم كتاب الله، كما في (أسباب النزول) لعلي بن المديني وللواحدي النيسابوري، و (العُجاب) للحافظ ابن حجر، و (لُباب النقول) للسيوطي.
-الوجوه والنظائر: وهذا اللون الفريد يعمد إلى حصر الألفاظ المتناظرة في كتاب الله ذات الأوجه المتعددة في معانيها، كلفظ"النكاح"يردُ بمعنى العقد وبمعنى الوطء، وكلفظ"الأمّة"بمعنى الجماعة والزمن والملّة وغيرها، ومن مصنّفاته: كتاب ابن الجوزي: (نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر) ، ومن قبله كتاب (الأشباه والنظائر) لمقاتل ابن سليمان البلخي.
وهو منحىً غاية في اللطف في فهم كتاب الله الكريم، ودّقة في الوقوف على مواضع الاتفاق والافتراق بين الألفاظ ودلالاتها في كلام الله سبحانه، ومن لطائف تراجم الإمام البخاري في صحيحه في كتاب التفسير من سورة النساء قوله:"باب (ولكلٍ جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون) ( [100] ) ، وقال معمر: موالي: أولياء ورثة، عقدت أيمانكم: هو مولى اليمين، وهو الحليف، والمولى أيضًا: ابن العمّ، والمولى: المنعم المعتِق، والمولى: المعتَق، والمولى: المليك، والمولى: مولىً في الدين".
-أحكام القرآن: وهو تفسير خاصّ بآيات الأحكام الفقهية من كتاب الله، لكنه عميق التناول دقيق الغوص على معانيها ودلالاتها، ذو توظيف بديع لعلوم الآلة من نحو وبلاغة وأصول تفسير وأصول فقه ونحوها، لبلوغ الغاية في فهم الآية واستنباط حكمها، ومصنّفات أحكام القرآن منحىً عجيب من مناحي فهم القرآن لدى السلف، ينبيك عنها ماسطّرته أقلامهم فيها من بدائع الفوائد ودُرر النفائس، يمتّد فيها النَفَس إلى عشرات المسائل في الآية الواحدة! ( [101] )
وظهرت مصنّفات أحكام القرآن في مختلف المذاهب، ينزع فيها مصنّفوها في الترجيح إلى مذاهبهم الفقهية، كـ (أحكام القرآن) للجصّاص والطحاوي الحنفييّن، و (أحكام القرآن) لابن العربي وابن الفرس المالكيين، و (أحكام القرآن) للشافعي بجمع الإمام البيهقي، وهكذا.
2 -شرح الحديث: