وتقرّرت قواعد عقائد السلف في باب الأسماء والصفات على هذا المنهج القائم في صلبه على تعظيم النص الشرعي، وتواترت المصنفات المفردة والأبواب المضمّنة في التصانيف الموسّعة في هذا التقرير والردّ على ما يخالفه، تعظيمًا للنص الشرعي ونصرةً له ورعاية لحرمته.
المبحث الرابع: فهم النص الشرعي
يُعدّ فهم النص الشرعي تمام الفهم والعناية بهذا غاية العناية من أجلى معالم التعظيم للنص الشرعي؛ وذلك أن النص الشرعي هو خطاب الشارع للمكلّفين، المشتمل على أحكامهم وما به تعلّق مصالحهم وخير أمرهم في العاجل والآجل، وهذا متوقّف على فهم وإدراك مراده على النحو الأكمل، فمن رام الامتثال للنص توجّب عليه العناية التامة بفهمه، فإنه كلّما كان قاصد الامتثال أكثر فهمًا وإدراكًا للمراد كان أصدق امتثالًا وأقرب لإصابة الحق وتحقيق الطاعة.
وقد أدرك سلفنا الكرام هذه الحقيقة، فكانوا شديدي العناية بفهم النصوص الشرعية والغوص في أعماق معانيها وإحكام دلالاتها والوقوف على حِكَمها وأسرارها، يقودهم في ذلك تعظيمهم للنصوص الشرعية وإجلالهم لمكانتها، واستشعارهم أنها خطاب مولاهم لهم، المستحق تمام التعظيم والاحترام والتقدير، وتنزيله منزلته من العناية بمراده ليتحقق الامتثال له، وقد صحّ عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه ( [95] ) ، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه:"والله الذي لا إله إلا هو ما أُنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أُنزلت، ولا أُنزلت آية في كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أُنزلت، ولو أعلمُ أحدًا أعلم منّي بكتاب الله تبلغه الإبل لركبتُ إليه". ( [96] )
وقال عمر - رضي الله عنه:"إني لا أدع بعدي شيئًا أهمّ عندي من الكلالة، ما راجعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيءٍ ما راجعتُه في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه". ( [97] )
وهذا المعلم من معالم التعظيم للنص الشرعي لدى السلف تتدرج فيه كل جهودهم العلمية المرويّة والمصنّفة في فهم الكتاب والسنّة، والتي أثمرت ثلاثة من علوم الشريعة الجليلة ذات الفروع الواسعة وهي: تفسير القرآن، وشرح الحديث، وأصول الفقه، وفي كلٍ منها عظيم بذل للسلف وجهد بالغ في فهم النّص الشرعي، بيانه فيما يلي:
1 -تفسير القرآن الكريم:
ليس شيء من العلوم بذلت فيه الجهود وأُفنيت فيه الأعمار مثل تفسير كتاب الله الكريم، ولذلك فليس من الممكن إحصاء ما كُتب وما رُوي من تفسير القرآن الكريم، سواء كان تفسيرًا بالمأثور أو تفسيرًا بالرأي، فكلاهما كان للسلف فيه قدم السبق وإرساء قواعده، المطوّل منها والموجز المختصَر، وتعدّدت جهودهم في تفسير كتاب الله وتنوّعت أنحاؤها، فمن ذلك:
-تفسير القرآن كاملًا: والعناية بفهم القرآن على هذا النحو كانت مبكرة جدًا، فقد روى مجاهد أنه عرض على ابن عباس - رضي الله عنه - القرآن كاملًا ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، قال: أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها! ( [98] )