الصفحة 26 من 28

وأعلم أن سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المُتعيّن، لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسئول علي رفع هذا الضر ونيل المطلوب وجلب المنافع ودرء المضآر، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده العزيز الغفار لأنه حقيقة العبادة، وكان الإمام أحمد بن حنبل يدعو ويقول:"اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك؛ ولا يقدر علي كشف الضر وجلب النفع سواك".

فأعلم أن الله سبحانه يُحب أن يُسأل، والمخلوق يكره أن يُسأل، ولهذا قال وهب بن مُنبه لرجل كان يأتي الملوك: ويحك تأتي من يُغلق عنك بابه ويُظهر لك فقره ويُواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ونصف النهار، ويُظهر لك غناه، ويقول ادعني أستجب لك؟؟

وقال طاووس لعطاء: إياك أن تطلب حوائجك إلي من أغلق دونك بابه ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلي يوم القيامة أمرك أن تسأله، ووعدك أن يُجيبك.

وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن جلب مصالحه ودفع مضآره، ولا مُعين له علي مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه فهو المُعان ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحيق قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإن المعني لا تحوّل للعبد من حال إلي حال ولا قوة له علي ذلك إلا بالله، وهذه الكلمة هي كنز من كنوز الجنة، فالعبد مُحتاج إلي الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات والصبر علي المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر علي الإعانة علي ذلك إلا الله عز وجل، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه. قال بعض السلف: يارب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك، وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت