الصفحة 27 من 28

قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"رُفِعَتْ الْأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ"هو كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها والفراغ منها من أمدّ بعيد، فإن مقادير الخلائق قد كُتبت قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في صحيح مسلم.

قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"وَاعْلَمْ أَنَّ الأمة لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ"المراد: إنما يُصيب العبد في دنياه مما يضره أو ينفعه فكله مُقدّر عليه، ولا يُصيب العبد إلا ما كُتب له من مقادير ذلك في الكتاب السابق، ولو أجتهد علي ذلك الخلق كلهم جميعًا. وقد قال تعالي:"قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا"وقال:"مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا"وقوله:"قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ". فلا يدور في رأس أي أحد كائنًا من كان أنه بإمكانه أن يضر أحد فإنه والله لا يقدر أن يرفع يديه إلي أنفهِ ليُخرج الأذى منها إلا بحولٍ من الله.

* وأعلم أن مدار جميع هذه الوصية علي هذا الأصل وما ذُكر قبله وبعده فهو مُتفرع عليه وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أنه لن يُصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم علي خلاف المقدور غير مُفيد البتة علم حينئذٍ أن الله وحده هو المقيت الذي بيده قوت كل شيء لا بيد غيره، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل وإفراده بالطاعة وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يُقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضآر، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر ولا يُغني عن عابده شيئًا فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يُعطي ولا يمنع غير الله أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرع والدعاء وتقديم طاعته علي طاعة الخلق جميعًا، وأن يتقي سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعًا، وأن يُفرده وحده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت