الصفحة 12 من 28

قال الإمام ابن الجوزي - رحمه الله:"العاقل من يحفظ جانب الله عز وجل، وإن غضب الخلق. وكل من يحفظ جانب المخلوقين، ويضيع حق الخالق، يقِّلب الله قلب الذي قصد أن يرضيه فيسخطه عليه"وللوصول لذلك اسمع كلام الإمام ابن الجوزي إذ يقول:"من عاين بعين بصيرته تناهي الأمور في بداياتها، نال خيرها، ونجا من شرها. ومن لم ير العواقب غلب عليه الحس، فعاد عليه بالألم ما طلب منه السلامة وبالنَّصَب ما رجا منه الراحة."

وبيان هذا في المستقبل، يتبين بذكر الماضي، وهو أنك لا تخلو، أن تكون عصيت الله في عمرك، أو أطعته. فأين لذة معصيتك؟ وأين تعب طاعتك؟ هيهات رحل كلٌ بما فيه!

فليت الذنوب إذا تخلَّت خلت!

وأزيدك في هذا بيانًا مثل ساعة الموت، وانظر إلي مرارة الحسرات علي التفريط، ولا أقول كيف تغلب حلاوة اللذات، لأن حلاوة اللذات استحالت حنظلا، فبقيت مرارة الأسى بلا مقاوم، أتراك ما علمت أن الأمر بعواقبه؟ فراقب العواقب تسلم، ولا تمل مع هوي الحس فتندم.

من تفكر في عواقب الدنيا، أخذ الحذر، ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر.

ما أعجب أمرك يا من يوقن بأمر ثم ينساه، ويتحقق ضرر حال ثم يغشاه! (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) .

تغلبك نفسك علي ما تظن، ولا تغلبها علي ما تستيقن. أعجب العجائب، سرورك بغرورك، وسهوك في لهوك، عما قد خُبئ لك. تغتر بصحتك وتنسي دُنُوَّ السقم، وتفرح بعافيتك غافلًا عن قرب الألم. لقد أراك مصرع غيرك مصرعك، وأبدي مضجع سواك - قبل الممات - مضجعَك. وقد شغلك نيل لذاتك، عن ذكر خراب ذاتك:

كأنك لم تسمع بأخبار من مضي ... ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر!

فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم ... محاها مجال الريح بعدك والقبر!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت