ومن الدوران ينشأ الليل والنهار متعاقبين في زيادة ونقصان فتؤتي كل الأشياء أُكُلها في سيرورة عجيبة التنظيم فتنشأ منها الفصول الأربعة فتتنوع المأكولات بعد أن ترتوي الأرض الظمأى بالمياه، وتتهيَّأ الترب للأعمال فتزهر الأشجار وتنضج الثمرات، تحمل لك الملذَّات والمغذِّيات الكبرى والصغرى كالفيتامينات، مودَّة وهدايا عربون المحبة العظمى لك أيها الإنسان.
فمن الذي خلق، ومن الذي أبدع، ومن هو المنظِّم للقوى، ومن يدير الكرة الأرضية فيأتي بالليل ويتلوه النهار، ومن رتَّب نظام الأمطار.. هل هي هذه الجمادات أوجدت نفسها بنفسها ونظَّمت ذاتها بذاتها، ومن الممد لها بالأنوار للكواكب والشمس والقمر والمجرَّات، فهل الطبيعة المسخَّرة العمياء هي التي خلقت الأبصار والمبصرين، أم أن هناك قدرةٌ مسيِّرة خالقة عظيمة خلقت وأبدعت وأوجدت!.
أما الجبال الجليدية في قطبيها وما أدراك ما هي، إنها سر من أسرار الوجود فيها تكمن الخاصية العالية للإنسان ودونه سائر المخلوقات، مياه دفَّاقة رقراقة فرَّ عنها الأذى وأتت إلينا دون جهد أو عناء، كمياه الفيجة الشمَّاء في دمشق الفيحاء لننعم بها في صيف أو شتاء نقية صحية باردة عذبة موفورة الهناء (1) ، وما تلك الجراثيم في الأرض تعمل أياديها والحشرات والحيوانات والأسماك في البحار كل ذلك في صنوفه وتنوعه وحياته وعمله متكاتفًا متعاضدًا من أجلنا وتحت إمرتنا وتصرُّفنا نحن البشر، أما جسم الإنسان وما أدراك ما هو إنه بحر آخر من بحار الأكوان والغوص والتعمق في أسراره ضرب من عجائب الزمن يجعل الإنسان يخرُّ ساجدًا لعظمة بانيه ومكوِّنه فما زال العلم البشري منه في فجر باكورة التحقيق رغم تقدمه التكنولوجي العالي.
(1) انظر كتاب (مصادر مياه الينابيع في العالم) للعلاَّمة العربي محمد أمين شيخو.