نعم لنرحل كل يوم إلى أيادي الإله المنيرة وهي تفعل عجائبها في هذه الأكوان.. في الجبال وفي البحار.. في السماء.. {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} (1) ، ولنسجد لهذه اليد العظيمة لعلَّ ماء الحياة النوراني ينفذ إلى قلوبنا الظمأى من الجفاء فنفتتن بها عن كلِّ المنغصات من حجب تقف بيننا وبين اللوذ بشهوده تعالى ومحبته، ولعلَّنا نخشى ونتذكَّر فنعود إلى فطرة الكمال التي فطرنا عليها فننجو من الخسران، فطاقاتنا في عهدتنا أمانة وهذه الأمانة عارية مستردة.. فغدًا نكون بلا بصر بلا سمع بلا هواء ولا ماء، بل بلا ضياء شمس ولا نور قمر.. بلا إخوة ولا أصحاب فتتضاءل الأماني ويفقد الأمل في حفرة من حفر الأرض جُعلت لنا مثوبةً على سعينا ولهثنا وراء هذه الدنيا دون النفاذ منها إلى بارئها الأعلى. لذلك وخوفًا علينا ورحمة بنا علمَ ذلك كله تعالى، فبعد أن نوَّع عطاياه لفتنا إلى الفقدان والفناء وبما أننا منطقيون وديننا دين منطق سما بنا برسوله، بما أفاض به عليه من علوم الدنيا وأسرارها وعجائبها وتعداها إلى الطب النفسي الإعجازي فبيَّن لنا من أسرار النفس أن المرء مع من أحب، لذلك من كان متعلِّقًا بغير الله فهو الأبتر. فكلُّ شيء حادث في هذا الكون إلى الفناء سوى الله ومن أحبه حبًا حقيقيًا نابعًا عن تفكُّر وسبح فاستقام خوفًا على فقدان محبة المحبوب جلَّ وعلا، فألقى من قلبه محبة الدنيا الدنيّة قبل الموت، هذا أضحى الموت تحفته، ويوم الدين يوم الغبطة الأبدية بالنسبة له.
أما من أعرض عن الإله وراح يلهو ويلعب في عَرَضِ الحياة الدنيا فلم يجعلها مطيةً لإقباله العالي على ربِّه بعمل الخير والإحسان، بل بقي متخبطًا في تسيير أهوائها ومكتنفاتها الشيطانية فكان ألعوبة بالأيادي الشيطانية دون أن يعلم، فهذا قد تَعِسَ وخسر خسرانًا مبينًا.
(1) سورة الذاريات: الآية (21) .