الصفحة 48 من 106

حتى بات أحدنا يختلس من وقته ساعات يزور فيها أصحابه وإخوانه .. مرة في الشهور ذوات العدد .. لكن حين يكون صفاؤنا عظيمًا ، وحبنا خالصًا ، وودنا صادقًا .. نجد عذرًا لإخواننا ، ونلتمس لهم من الأعذار عددًا ، يحول بيننا وبين سوء الظن بهم أو اتهامهم .. بنسيان حقوق الأخوة ، أو التكبر أو الجفاء .. فما كل غيبة - كما ذكر الإمام الحربي - جفوة ، فهذا هو الأصل في التعامل بين الإخوان ، في ميدان الأخوة ، أن لا ينظر للغيبة وطولها على أنها قائمة على أساس الجفاء والنسيان ، فلا يليق مثل هذا الظن بالإخوان ، وما يليق بكرام الإخوان إلا أن يكون هذا شعارهم مع إخوانهم .

ومن جمال فقه الإمام الحربي - رحمه الله - أنه أشار إلى أن كثيرًا من اللقاءات قد لا تكون تعبيرًا عن المودة ، ولا تهدف إلى زيادة المحبة ، ولا تقوم على أصول الأخوة ، فليس كل لقاء مودة ..

فالشأن عنده في القلوب ، وليس في كثرة اللقاءات ، أو قلتها ،"وإنما هو تقارب القلوب".. فالأخوان وإن شطت بهم المزارات ، أو تباعدت بهم الديار ، أو فرقت جمعهم الدنيا ، وشرقت ببعضهم ، وغربت بالبعض الآخر .. إلا أن قلوبهم متقاربة ، وألسنتهم تلهج بالدعاء ، فما أجمل أن ترفع يديك تدعو لأخيك في ظهر الغيب !! وهذا هو المطلوب ، تعانق أرواح ، وتقارب قلوب .. فلا خير في زيارة ، يتبعها أذى ، نقل كلام ، أو تحريف بعضه . وهذه هي اللقاءات التي عناها الإمام حين أشار إلى أن ليس كل لقاء مودة .. والأهم من ذلك كله .. ليس كل غيبة جفوة ..

ذكر أن يحيى بن يزيد النوفلي كتب إلى أخيه في الله مالك بن أنس - رضي الله عنها - النصيحة الآتية:

"بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على رسوله محمد من الأولين والآخرين ، من يحيى بن يزيد إلى مالك ابن أنس ، أما بعد ،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت