لما حضرت الوفاة سعيد بن العاص- رحمه الله- جمع بنيه, و قال لهم:"يا بني, لا تفقدوا إخواني مني, أجروا عليهم ما كنت أجري, و اصنعوا بهم ما كنت أصنع, و لا تلجئوهم للطلب, فإن الرجل إذا طلب الحاجة اضطربت أركانه, و ارتعدت فرائصه, و كل لسانه, و بدا الكلام في و جهه, اكفوهم مؤنة الطلب بالعطية فبل المسألة, فإني لا أجد لوجه الرجل, يأتي يتقلقلُ على فراشه, ذاكرًا موضعًا لحاجته, فعدا بها عليكم, لا أرى قضاء حاجته عوضًا من بذل وجهه..,,"
ربما تساءل بعضنا .. و ماذا كان يصنع سعيدٌ بإخوانه ؟! و ما العمل الذي أراد استمراره بعد موته.. و أن لا ينقطع بغيابه؟!.
لقد حدث عن سعيد بن العاص - رحمه الله - أنه كان يدعو جيرانه و جلساءه في كل جمعة, فيصنع لهم الطعام, وُيلبسهم الثياب فإذا أرادوا أن يتفرقوا, أمر لهم بالهدايا و العطايا..
و الحقيقة الموروثة عن سلف هذه الأمة, , تؤكد أن هذا الصنيع كان شأن كثيرين غير سعيد , فلم يكن سعيد بدعًا من زمنه, و لا غريبًا في صنعه.. فقد صنع مثله الحسن البصري, و عبدالله بن المبارك, و ابن عيينة, و ابن سيرين و أبو سليمان الداراني, الذي قال ذات يوم (لو أن الدنيا كلها جمعت لي في لقمة , ثم جاءني أخ لأحببت أن أضعها في فيه) .. و غير هؤلاء نفر ليس بالقليل, يضيق المقام عن ذكرهم-رحمهم الله-
لا تفقدوا إخواني مني..
صورة جميلة تجسد حقيقة الأخوة, و ترسم لها لوحة فنية رائعة , بريشة بديعة , إنها ريشة الإيمان حين يسكن القلوب الكبيرة, التي ترعى الود, و تحفظ الحب, و تحرص على الوصل .. إنها قلوب كبيرة سكنت نفوسًا حرة .. فسمت بأخلاقها , و علت بأفضالها, و تجلت بأفعالها .. فكانت نبراسًا عظيمًا يهدي السائرين الى منابر النور, يأخذ بأيديهم , و يرسم لهم معالم الطريق و يجلي لهم آدابه و أخلاقه..
لا تفقدوا إخواني مني..
حرص عجيب على دوام الأخوة..