الصفحة 38 من 106

وانظر هنا إلى فضيلة السكوت ، وعظمة السكوت ، بل بلاء السكوت ، أن تملك نفسك ، وتحبس لسانك ، في هذا الموطن الرهيب ، هو والله الامتحان الأصعب ، والدلالة العظمى ، والعلامة الكبرى .. التي تكشف عن المعادن الأصيلة ، والتربية الربانية .. نعم لقد سكت ، أمام سيل الاتهامات الجارف ، والشتائم اللاذعة التي لم تقو على جرفه ، أو زحزحته عن سكونه وهدوئه .. فلم تحركه هذه الاتهامات ، ولم تستفزه الخصومة ، ولم ينتقم لنفسه ، وصبر على ظلم أخيه .. فلم ينتصر لنفسه .. ليس هذا وحسب .. بل انظر إليه مرة أخرى ، حين يختار الليل لحسن الصنيع ، كي يستره ، ويحفظه من الرياء والسمعة .. فلما كان الليل ، أتى علي هذا الرجل في منزله ، فقرع عليه بابه ، فخرج إليه ، فقال له: يا أخي ، إن كنت صادقًا فيما قلت لي فغفر الله لي ، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك .. السلام عليكم . وولى ..

فما كان من الرجل إلا تبعه ، والتزمه من خلفه ، وأخذ يبكي ، ويقول: لا جرم لا عدت في أمر تكرهه .. فقال له علي: وأنت في حل مما قلت لي .

تأمل معي هذا الكبير ، في دلالاته ، وفي ألفاظه .. وفي معانيه الكبيرة ..

تأمل وتفكر .. ولك أن تتعجب .. ولا بأس في ذلك ، فقد غابت هذه المعاني ، وفقدت هذه المواقف ، ووئدت هذه النفوس الكبيرة ، وتلاشت هذه الظلال الرائعة .. لتحل محلها الشحناء والبغضاء والكراهية ، وحب الانتقام .. نعم ، حب الانتقام .. فما عادت السماحة وكتم الغيظ والعفو يجد مكانًا يزاحم فيه ، أو يركن إليه ، وسط هذا الغثاء والأنانية القاتلة .. لقد ساد فكر الذات البغيض ، فسيطر وحرك وانتصر .. وانتصر بانتصاره الشيطان، الذي يؤنسه هذا الفكر ويفرحه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت