الصفحة 37 من 106

إن هذه اللفتة الجميلة الرائعة ، من شيخ الإسلام ، تستحق وقفة تأملية طويلة من دعاة اليوم ، وأتباع الإسلام ، الذين سرعان ما تتحشرج نفوسهم ، ويحتد قولهم ، وينبو طبعهم ، ويتعالى صوتهم ، وتضيق الدنيا في وجوههم ، وتعلو حمرة الغضب جباههم ، بسبب كلمة عابرة ، لمجرد أنها جارحة ، أو موقف مقصود أو غير مقصود .. يريد أحدهم أن يقيم الدنيا ولا يقعدها ، مستخدمًا كل ما في قاموس الغلظة والفضاضة من ألفاظ نابية جارحة .. تعمق الجرح .. وتشق الصف ..

فكيف لو أن الأمر تجاوز حدود الكلمات العابرة .. والمواقف الزائلة ..؟؟!!

بقي أن أقول من وحي موقف الإمام الكبير ، إن الكبار العظام لا يحملون الحقد ، ولايعرفون طريقه ، وصدق الشاعر ( الجاهلي ) عنترة بن شداد:

لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب

ولا ينال العلا من طبعه الغضب

غفر الله لي ..

غفر الله لك !!

جاء رجل إلى علي بن الحسين بن علي - رضي الله عنهم أجمعين - فقال له: إن فلانًا قد آذاك ، ووقع فيك . فما كان منه إلا أن قال له: انطلق بنا إليه ، فانطلق معه ، وهو يرى أنه سينتصر لنفسه ، ويقتص منه ، ويرد له الصاع صاعين .. وما أكثر الذين يحبون هذا .. غير أن الذي حدث ، خيب ظن الساعي ، وأفشل مسعاه .. فلما أتاه ، قال له:"يا هذا إن كان ما قلت فيّ حقًا ، فغفر الله لي .. وإن كان ما قلت فيّ باطلًا فغفر الله لك".

عليّ هذا جاءه يومًا حسن بن حسن ، وكان بينهما بعض الأمر ، وهو جالس مع أصحابه في المسجد ، فما ترك شيئًا إلا قاله له . يقول أبو يعقوب المدني ، راوي الحادثة التي يذكرها ابن الجوزي - رحمه الله - في كتابه القيم"صفة الصفوة": وعليّ ساكت .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت