ويذكر قصة لرجل صالح كان إذا صحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره ، يشترط عليهم أن يخدمهم ، فكان إذا رأى رجلًا يريد أن يغسل ثوبه ، قال له: هذا من شرطي ، فيغسله ، وإذا رأى من يريد أن يغسل رأسه ، قال: هذا من شرطي ، فيغسله . فلما مات نظروا في يده ، فإذا فيها مكتوب: من أهل الجنة ، فنظروا إليها فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم .
وذكر قصة آخر ، يدعى بهيم العجلي ، وكان من العابدين البكائين ، ترافق مع تاجر موسر في رحلة إلى الحج ، فلما كان يوم خروجهم للسفر ، بكى ( بهيم ) حتى قطرت دموعه .. وقال: ذكرت بهذه الرحلة الرحلة إلى الله ، ثم علا صوته بالنحيب ، فكره رفيقه التاجر منه ذلك ، وخشي أن يتنغص عليه سفره معه ، بكثرة بكائه ..
فلما قدما من الحج .. جاء الرجل الذي رافق ( جمع ) بينهما في هذه الرحلة ، ليسلم عليهما ، فبدأ بالتاجر ، فسلم عليه ، وسأله عن حاله مع ( بهيم ) .. فقال له: والله ما ظننت أن في هذا الخلق مثله ، كان والله يتفضل علي في النفقة ، وهو معسر ، وأنا موسر ، ويتفضل علي في الخدمة ، وهو شيخ ضعيف ، وأنا شاب ، ويطبخ لي وهو صائم ، وأنا مفطر . فسأله عما كان يكرهه من كثرة بكائه ، فقال: والله ألفت ذلك البكاء وأشرب حبه قلبي، حتى كنت أساعده عليه ، حتى تأذى بنا الرفقة ، ثم ألفوا ذلك فجعلوا إذا سمعونا نبكي بكوا ، ويقول بعضهم لبعض: ما الذي جعلهما أولى بالبكاء منا ، والمصير واحد ؟! فجعلوا والله يبكون ، ونبكي ..
ثم خرج من عنده ، ودخل على ( بهيم ) فسلم عليه ، وقال له: كيف رأيت صاحبك؟ قال: خير صاحب ، كثير الذكر لله طويل التلاوة للقرآن ، سريع الدمعة ، متحمل لهفوات الرفيق ، فجزاك الله عني خيرًا ..