الصفحة 29 من 106

يستحي من الله - سبحانه - أن يطلب لإخوانه الجنة ، في الوقت الذي يبخل فيه عليهم بحطام الدنيا ، فيعطيهم قليلها ، فماذا تعدل الدنيا كلها في ميزان الآخرة ؟! وكيف يكون كريمًا جوادًا معطاءً صادقًا .. وهو يستكثر عطاء الدنيا ويستعظمه ؟! وتراه جوادًا كريمًا في دعاء لسانه لهم بالجنة ؟! لقد أدرك حقيقة الدنيا وهوانها ، وعظمة الجنة وغلاءها ، فجاءه هذا الشعور العظيم .. ولو أدركنا إدراكه لجاءنا شعوره الجميل هذا .. لكن هي الغفلة .. التي علت بها مكانة الدنيا في نفوسنا ، فسيطرت ..

إنها لفتة إيمانية روحانية رائعة ، يلفت عمر أنظارنا إليها ، ويضعنا من خلالها في امتحان صعب للغاية ، فهل تقفز بنا هممنا الإيمانية ، إلى حيث كانوا ؟!

وهل تحلق بنا أخوتنا في فضاءات رحبة ، فتخرج بنا من أسر الذات ، وقيد الأهواء، وضيق الدنيا ، إلى سعة الدنيا والآخرة ؟!

مما يروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قوله:"لا يعجبنك من الرجل طنطنته ، ولكن من أدى الأمانة ، وكف عن أعراض الناس فهو الرجل".

ما أكثر الذين تخدعهم المظاهر ، وتجذبهم المناظر ! لأنهم لم يعرفوا حقيقة الرجال!! كما عرفها أمير المؤمنين عمر ، الذي لم تخدعه المظاهر ، بل كان يغوص في الأعماق ، باحثًا عن الجواهر الثمينة ، والحقائق الدفينة ، في النفوس ، التي تظهر بها المعادن .

فهاهو يسمع رجلًا يمدح آخر ، فيقول له: لعلك جاورته ؟

فيقول الرجل: لا .

-لعلك سافرت معه ؟

-لا . لعلك عاملته بالدرهم والدينار ؟ - لا .

عندها يقول له عمر - رضي الله عنه -: لعلك رأيته يصلي ؟

-قال: نعم . لقد رأيته يحافظ على الصلاة ، ويؤديها بخشوع .

فيأتي قرار عمر الخبير بالرجال: إذن ما عرفته .

نعم ، ما عرفته !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت