الصفحة 28 من 106

عمر - رحمه الله - .. أدرك أن الأخوة أكبر من أن تكون دعوة باللسان ، تسأل فيها الله - سبحانه - أن يسكن أخاك الجنة ، وأن يغفر له ، ويرفع درجته ، ويحسن ختامه ، وغير ذلك من الأدعية الجميلة ..

لكن إن تطلب الأمر من هذا الأخ الداعي أن يكون في موضع العطاء ، الذي يستطيع من خلاله أن يمد يد العون والمساعدة لهذا الأخ المدعو له ، فيفرج عنه كربة ، أو يقضي عنه دينًا، أو يسعى في حاجته .. تراه ينكص على عقبيه ، متعللًا بالأعذار الواهية ، معتذرًا بضيق ذات اليد .. وقد يرمي إليه بالفتات القليل الذي هو أقل من الحرمان ..

فأين هذا البخل من ذاك الجود ؟!

أليس الأمر كما وصفه عمر ؟!

لو كانت الجنة بيد هذا الأخ الداعي ، ومن أملاكه الخاصة لكان بها أشد بخلًا .. ما دام أنه يبخل بمتاع من الدنيا زائل !!

رحم الله عمر !!

ليس هذا فقط ..

بل إن الأمر قد يتجاوز ذلك .. بله يتجاوز هذا البخل المادي ، إلى بخل في ميدان العفو عن الزلات، وتجاوز الهفوات ، وكتم السيئات ، وستر العورات ، وكظم الغيظ .. وتراه كريمًا جوادًا كالريح المرسلة في إشاعة سيئاته ، ونشر هفواته ، وإعلان زلاته ، وتتبع عوراته ، وهدم حسناته ..

فأي أخوة هذه ؟! وأي فقه هذا ؟!

رحم الله عمر !!

فقد كان ذا قلب نوراني شفاف ، ونفس بالغة الحساسية ، في ميادين الإيمان والدعوة، لا تغره عبادة ، ولا تؤمله طاعة ، ولا يلهيه كل ذلك عن حقيقة ما يجب أن يكون عليه المؤمن الصادق ، في كل ميادين حياته ..

رحم الله عمر !!

ما أشد حياءه ، وما أعظم خوفه !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت