مما يذكر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - أنه قال:"ما أعطيت أحدًا مالًا إلا وأنا أستقله ، وإني لأستحي من الله - عز وجل - أن أسأل الجنة لأخ من إخواني، وأبخل عليه بالدنيا ، فإذا كان يوم القيامة ، قيل لي: لو كانت الجنة بيدك ، كنت بها أبخل".
قول رائع يؤسس لفقه دقيق في الأخوة .. يشير إلى أن عمر - رحمه الله - كان من أصحاب الاختصاص الدقيق جدًا في هذا المجال ..
إنه فقه ، وياله من فقه !!
فقه .. تتجلى فيه آيات الإيمان ، ليكشف عن معدن النفوس الأصيلة حين يصوغها الإيمان، معدن النفوس الكبيرة حين تتذوق طعم الإيمان ، وتنصهر في بوتقته ..
هذا الفقه الذي أصبح بعناوينه الكبيرة جدًا ، وليست العناوين الدقيقة جدًا ، عند الكثيرين منا من نافلة القول والعمل ، نمر عليه لاهين ، ونقرأ عنه غافلين .. حتى أصبح من الثقافات العامة التي لا بد منها ، لإثبات الذات في ميادين القول ، ومجالس الوعظ ..
ويالها من طعنة قاسية تدمي الصف المؤمن ، وتدني نهايته ، وتفكك أوصاله ، حين يصبح هذا الفقه شعارات ترفع ، وخطابات تلقى ، وأقوالًا بليغةً تلوكها ألسنة سليطة ، وقلوب مشحونة .. قد تتستر وراء دعوة حارة ، ودموع حارقة ، لكنها لا تقوى على إحراق الشحناء والبغضاء والكراهية التي تسكن هذه القلوب الغافلة !!
وما أتي الصف في يوم من الأيام إلا من قبل هؤلاء ، الذين يحسنون في ميدان الوعظ والقول، ويسيئون في ميدان الفعل والعمل .. ميدان السلوك والتطبيق .. تمامًا ككل الممثلين في زماننا هذا .. الذين نراهم على الشاشة بحلة الأبطال الفاتحين أو الأئمة الواعظين، وفي الواقع نراهم بحلة الشياطين ..
وبأمثال عمر - رحمه الله - من أصحاب التخصص الدقيق جدًا في كل الميادين ، ميادين الدعوة والحياة: الأخوة ، الصدق ، البذل ، التضحية ، التجرد ، الفهم ، الإيثار ، الزهد ، العفة .. تجد الصف في أبهى حلله ، وأنصع صفحاته ، وأجمل مواقفه ..