الصفحة 25 من 106

خير الإخوان

أعذرهم لإخوانه !!

قاعدة أصيلة من قواعد السلف الصالح في الحفاظ على رابطة الأخوة ، والارتقاء بها ، وصونها مما قد يذهب صفاءها ، ويعكر ماءها ، ويكدر نقاءها ، ويفسد أجواءها ، فيقررون أن خير الأخوان ، وأعقلهم هو الذي يلتمس الأعذار لإخوانه ، فتراه حريصًا على إيجاد العذر المناسب ، الذي ينسجم مع عظمة هذه الأخوة ، ويرتقي في أجوائها ، ويحلق في فضاءاتها الإيمانية ، فلا تجد أخًا مقصرًا في قاموسه ، أو أخًا مذنبًا في حقه ، أو أخًا معتديًا في كلامه ، أو أخًا متعمدأً في إساءته ، أو قاصدًا في تجاوزه .

فتعجب من منهج هذا الأخ العاقل ، وهو ينقب في الأعذار ، كي يختار أفضلها وأحسنها في تبرير ما يراه الآخرون خطأ فادحًا ، وذنبًا عظيمًا ، لا يمكن تجاوزه ، أو احتماله ، أو غض الطرف عنه . فإن لم يجد ما يعتذر به عن إخوانه اتهم نفسه ، كما أوصى بذلك الإمام الغزالي - رحمه الله - في إحيائه:"ينبغي أن تستنبط لزلة أخيك سبعين عذرًا ، فإن لم تقبله فرد اللوم على نفسك ، فتقول لقلبك: ما أقساك !! يعتذر إليك أخوك سبعين عذرًا فلا تقبله ، فأنت المعيب لا أخوك ..".

تعجب من هذا المنهج الجميل الجليل ، وهو يحيل الإساءات إلى حسنات ، والتجاوزات والسقطات إلى هفوات غير مقصودة ، والتقصير والنسيان والإهمال إلى زيارة ود ومحبة ، تجدد العهد ، وتحيي ما انبت من الوصل .. فليس الواصل بالمكافئ !!

جميل الالتزام بهذا النهج عندما يضيق أفق الناس ، وتتحشرج نفوسهم ، ويصبح ميزانهم دقيقًا، يحاسب على الكبيرة ، ولا ينسى الصغيرة ، ويزن العظيم والحقير على حد سواء ، ولا يغفل عن شيء ، بل يذكر الإساءة ، ويصر على الظن السيئ ، وغالبًا ما يستخدم لحظات الوصل والصفاء في إذكاء لحظات العتاب القاسي والمر الشديد ، الذي قد يأكل الحب ويأتي عليه رويدًا رويدًا ، دون شعور منا إلا بعد فوات الأوان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت