الصفحة 24 من 106

فمن يدرك هذه الحقيقة ؟! فيعمل على تأصيلها ، ويسعى لتجذيرها ، حتى تمتد في أعماق القلوب جذورها ، وتشمخ في العلياء أغصانها ، قوية متينة ، عصية حصينة ، لا تطالها سهام البغي والعدوان ، ولا تدميها قذائف الأهواء ، أو تميتها الأطماع ، أو تعكر صفوها اختلافات وآراء .

رحم الله زمان الأولين ، فقد كان الحفاظ على الأخ ، والتمسك به من أصول الإيمان وإن شط أو خلط ، أو تجاوز حدود الأدب ، بهفوة أو خطأ ، فلا يقطع وصله ، ولا يجافي جنبه ، ولا ينسى فضله ، ولا يخفر ذمته ، بسبب ذنب أصابه، أو خطأ اقترفه ، أو تهمة رمي بها، فتراه بكل ما أوتي من عزم إيماني ذابّا عن عرضه ، ذائدا عن حياضه ، بليغا في إعذاره، صادقا في الدعاء إليه، ساعيا في التثبت من حقيقة ما وصله.. متجاوزا مسامحا، يغفر الزلل، ويقبل العلل..

رحم الله زمن التمسك بالأخ ، والتثبت به ، والحرص عليه ، فقد رمتنا الأيام بمن لا يقدر أهميته ، ولا يعرف حقيقته ، ولا يدرك فضله ، ولا يصون عرضه ، فسرعان ما يستبد به الغضب لكلمة ، وتتقطع العلاقات لموقف ، وتتغير القلوب لرأي ، بل ربما حلّت فيها الشحناء والبغضاء ..

فإذا بأخ الأمس ، عدو اليوم ، تحل غيبته ، ويُسفَّه رأيه ، ويدفن فضله ، وتنسى مآثره ، ويحفر بالألسنة الطويلة قبره. لندفن بدفنه بقايا الإيمان، ومروءة الأحرار، الذين تأسرهم لحظات الفضل والصفاء.

أين مثل الأخ الصالح؟!

ليتنا في زمن"القصعة"التي تداعى عليها"الأكلة"نقف مع الأولين في تساؤلهم، ثم نسعى في امتثال سلوكهم تجاه الأخ في الله ، علنا نبرأ مما تئن من وطأته نفوسنا ، وتشكو من شدته وخسته قلوبنا.

فيا أخ الإيمان والعقيدة !

حتى نحفظ هذه الأخوة ونحافظ عليها ، ونديم بقاءها ، ونعلي صرح بنيانها:

سامح أخاك إذا خلط

منه الإصابة بالغلط

وتجاف عن تعنيفه

إن زاغ يوما أو قسط

واعلم بأنك إن طلبـ

ـت مهذبا رُمت الشطط

من ذا الذي ما ساء قـ

ـطْ، من له الحسنى فقطْ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت