الصفحة 17 من 106

كانت الأخوة وما زالت الرسالة التي ينطلق بها الأولون ، يرفعون لواءها ، وينشرون طيبها ، ويؤكدون على معانيها ، فهي الوصية التي يحرصون على بقائها حية في النفوس ، تجمع الشتات ، وتقرب النوافر ، وتوسع المنافذ ، وتسد أبواب الفتن ، وهي الرابطة الربانية ، التي تغذي القلب ، وتمده بالحياة الهانئة ، من خلال تواصل القلوب ، والتعالي عن الصغائر ، التي تفسد المودة ، وتذهب الألفة ، فجاءت الأخوة نبضة حية في قلوب الأولين ، و دفقة مشاعر وحب ، فسالت على ألسنتهم شهدًا ، طيب المذاق ، جميل المنظر ، همهم كيف يرتقون بهذه الأخوة ، حتى تكون سدًا قويًا منيعًا ، يحافظ على وحدة الصف المؤمن ، ويدفع عنه سهام البغي والظلم ، التي تريد تحطيم أوصاله ، وتفكيكه إلى أجزاء ومجموعات ، ومن هنا باركوا كل فعل يصب في اتجاه أخوة صادقة ، وحمدوا كل قول في هذا المسعى ، كما أنهم شنعوا على الذين يتجاوزون حدودهم ، ويعتدون على هذه الآصرة ، بفعل أو قول ، أو حتى إشارة .

ومن فقه الأولين ، نقطف هذه الوصية التي تؤكد هذا المنهج ، وتعمق هذا الفهم ، الإمام يحيى بن معاذ - رحمه الله - يوصي إخوانه يومًا ، فيقول لهم:

"ليكن حظ أخيك منك ثلاثًا:"

إن لم تنفعه فلا تضره ،

وإن لم تفرحه فلا تغمه ،

وإن لم تمدحه فلا تذمه"."

ما أسهل بنود هذه الوصية .. في عالم التنظير والتأطير !!

وما أشقها على الذين اتسعت الفجوة عندهم بين القول والفعل ، بين النظرية والتطبيق!!

لقد ابتلي الصف المسلم في هذه الأيام ، بكثير من المنظرين ، الذين يحسنون القول ، وليس لهم في ميدان الفعل نصيب يذكر ، يحسنون التوجيه ولا يأخذون أنفسهم به ، وكأنهم خلقوا من أجل أن يعظوا غيرهم ، وهؤلاء هم الذين كان لهم ( الفضل ) الذي تحولت به الشعائر إلى شعارات ، والعبادات إلى عادات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت