ولاشك أن هذا المسلك في الترجمة إمعان في التحريف والتضليل واستخفاف بالكتاب المحكم. والغريب أنك تجد -مع هذا- من الباحثين المسلمين المرموقين من يعد ترجمة بلاشير أدق الترجمات وأحسنها (1) ! وقد تنبه جاك بيرك لبعض أخطاء بلاشير الذي لا يخفي مع ذلك إعجابه به وحاول أن يتجنب غلوه ونظرته الوضعية (positiviste) للقرآن الكريم. كما احترز بيرك من التعليقات والإشارات التي فيها تشكيك في القرآن، بل حاول في بعض المواطن الدفاع عن الكتاب الكريم ضد الشبهات التي أثارها بعض المستشرقين. لأجل هذا تبرأت ترجمة جاك بيرك من كثير من الأخطاء الفاحشة التي وقع فيها سلفه بلاشير ومن لف لفه من المستعربين، عن سهو أو عن سوء نية.
غير أنه يعاب عليه المبالغة في التمسك بالنقل الحرفي للتراكيب ومدلولات الألفاظ القرآنية مع أن لكل لغة خصائصها التركيبية والأسلوبية. ثم إنه يرجح في الغالب المعاني اللغوية الأصيلة على الدلالات الاصطلاحية عند نقله للمفاهيم الإسلامية الأساس (زكاة، إحسان، تقوى إلخ.) . فجاءت ترجمته ركيكة العبارة معقدة التركيب غامضة في كثير من المواضع، وبعيدة في كل الأحوال عن رونق الأسلوب القرآني وسلاسته. زد على ذلك ما يلاحظ عليه أحيانا من تعسف في التأويل حتى فيما يتعلق بالألفاظ الواضحة الدلالة، مثل ترجمته للنبي الأمي بـ Prophete maternel حيث جعل الأمي مشتقا من الأم! وليس كما فهمه جمهور المفسرين على أنه من لا يقرأ ولا يكتب، وحسبك هذا تقعرًا وإمعانًا في التعقيد وحب المخالفة والبعد عما اتفق عليه عامة المفسرين والمترجمين.
(1) فقد قال صبحي الصالح:"وتظل ترجمة بلاشير في نظرنا أدق الترجمات للروح العلمية التي تسودها، لا يغض من قيمتها إلا الترتيب الزمني للسور..."، مباحث في علوم القرآن، 1997، ص.177.