أ- ترجمة بلاشير وترجمة جاك بيرك: يلتقي جاك بيرك مع بلاشير في تصورهما العام للترجمة وفي طريقة إنجازها، فهما قد حاولا ترجمة الألفاظ والتراكيب القرآنية ترجمة أقرب إلى الحرفية في كثير من الأحيان، مع الميل إلى الأخذ بالتأويلات البعيدة بل الغريبة أحيانًا في نقل الآيات التي اختلف المفسرون في فهمها وتفسيرها. ويؤاخذ بلاشير فوق هذا بمنهجه العلموي (scientiste) في التعامل مع القرآن الكريم، وهو منهج موروث عن علماء القرن التاسع عشر وبخاصة المستشرقون الألمان منهم. وقوام هذا المنهج: إخضاع النص القرآني لما تخضع له سائر النصوص الأدبية من تحقيق وتحليل ومقارنة لمختلف رواياتها ونسخها واستقصاء لظروف وملابسات تأليفها ومقابلتها بما يشبهها من النصوص. وهذا النحو من التفكير والدراسة لا يستقيم مع القرآن الكريم الذي لا ينبغي لمن يتصدى لدراسته أو ترجمته -أيا كان مذهبه الفكري- أن يتغافل عن حقيقة مهمة وهي أنه وحي إلهي وقرآن معجز بلفظه ومعناه { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } (فصلت:42) . وقد غالى بلاشير في تطبيق منهجه هذا الغريب فراح يحكم على كثير من آيات القرآن البينات بالغموض والاضطراب بل بالزيادة والإقحام. ولم يكتف بذلك بل أدخل في ترجمة القرآن ما ليس قرآنا (1) وأقحم بعض القراءات الشاذة التي يضعها مقابل القراءة المشهورة المثبتة في المصاحف (2)
(1) انظر مثلا ترجمة سورة النجم حيث أقحم بعد الآية 20 ترجمة عبارة الغرانيق"الشيطانية"دون أن يكلف نفسه بعد هذا عناء التعليق عليها في الحاشية وتنبيه القارئ على أنها ليست من القرآن ولم ترد في المصاحف، ص. 561.
(2) انظر مثلا إقحامه للقراءة المنسوبة لأُبَيّ عند ترجمة الآية 6 من سورة الصف، وهي قراءة لم تذكر اسم النبي أحمد الذي بشر به عيسى (عليه الصلاة والسلام) بخلاف القراءة المشهورة المستفيضة، وأشار المترجم في الحاشية إلى أن الفرق بين القراءتين عظيم الأهمية (بالنسبة لمن ؟) ، انظر الحاشية رقم 6، ص.593.