وهكذا إن شرب دواء فيه بعض السموم، والأغلب منه أن السلامة تكون منه لم يكن عاصيًا بشربه; لأنه لم يشربه على ضر نفسه ولا إذهاب عقله وإن ذهب، ولو احتاط فصلى كان أحب إلي; لأنه قد شرب شيئًا فيه سم ولو كان مباحًا.
ولو أكل أو شرب حلالا فخبل عقله أو وثب وثبة فانقلب دماغه أو تدلى على شيء فانقلب دماغه فخبل عقله إذا لم يرد بشيء مما صنع ذهاب عقله؛ لم يكن عليه إعادة صلاة صلاها لا يعقل, أو تركها بذهاب العقل.
فإن وثب في غير منفعة, أو تنكس ليذهب عقله فذهب؛ كان عاصيًا، وكان عليه إذا ثاب عقله إعادة كل ما صلى ذاهب العقل, أو ترك من الصلاة، وإذا جعلته عاصيًا بما عمد من إذهاب عقله, أو إتلاف نفسه جعلت عليه إعادة ما صلى ذاهب العقل, أو ترك من الصلوات، وإذا لم أجعله عاصيًا بما صنع لم تكن عليه إعادةٌ إلا أن يفيق في وقت بحال.
وإذا أفاق المغمى عليه وقد بقي عليه من النهار قدر ما يكبر فيه تكبيرة واحدة أعاد الظهر والعصر، ولم يعد ما قبلهما، لا صبحًا ولا مغربًا ولا عشاءً، وإذا أفاق وقد بقي عليه من الليل قبل أن يطلع الفجر قدر تكبيرة واحدة قضى المغرب والعشاء، وإذا أفاق الرجل قبل أن تطلع الشمس بقدر تكبيرة قضى الصبح، وإذا طلعت الشمس لم يقضها، وإنما قلت هذا لأن هذا وقت في حال عذر, جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر في السفر في وقت الظهر، وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء، فلما جعل الأولى منهما وقتًا للآخرة في حال، والآخرة وقتًا للأولى في حال، كان وقت إحداهما وقتًا للأخرى في حال، وكان ذهاب العقل عذرًا، وبالإفاقة عليه أن يصلي العصر، وأمرته أن يقضي; لأنه قد أفاق في وقت بحال"."
وقال النووي [1] :
"قال أصحابنا: يجوز شرب الدواء المزيل للعقل للحاجة, ... وإذا زال عقله والحالة هذه لم يلزمه قضاء الصلوات بعد الإفاقة; لأنه زال بسبب غير محرم..".
(1) المجموع شرح المهذب (3/7) .