وهم يُفرِّقون بين أن يزول عقله بسبب مباح، وأن يزول بسبب محرم، كما سبق من النقول السابقة، يقول النووي في الموضع السابق [1] :
"فرع: قال أصحابنا رحمهم الله: إذا لم يعلم كون الشراب مسكرًا أو كون الدواء مزيلا للعقل لم يحرم تناوله, ولا قضاء عليه كالإغماء, فإن علم أن جنسه مسكر وظن أن ذلك القدر لا يسكر وجب القضاء لتقصيره وتعاطيه الحرام، وأما ما يزيل العقل من غير الأشربة والأدوية كالبنج وهذه الحشيشة المعروفة فحكمه حكم الخمر في التحريم ووجوب قضاء الصلوات, ويجب فيه التعزير دون الحد, والله أعلم".
ويرى مالك أن له الجمع بين الصلاتين إذا خشي أن تفوته الأخرى، قال في المدونة [2] :
"قال مالك في المريض الذي يخاف أن يغلب على عقله: إنه يصلي الظهر والعصر إذا زالت الشمس، ولا يصليهما قبل ذلك, ويصلي المغرب والعشاء إذا غابت الشمس، ويصلي العشاء مع المغرب، ورأى مالك له في ذلك سعة إذا كان يخاف أن يُغلب على عقله".
القول الثاني:
لا تسقط عنه الصلاة، ويلزمه قضاء ما فات من الصلاة.
وهو قول الحنابلة [3] .
وعللوا ذلك بأن الإغماء يشبه النوم؛ لأنه لا يوجب ثبوت الولاية عليه، ويجوز على الأنبياء، بخلاف الجنون، ولا تسقط به سائر التكاليف [4] .
لكنهم فرقوا بين زوال العقل بالإغماء، وزواله بشرب دواء مباح، قال في المغني [5] :
©من شرب دواء فزال عقله به نظرت; فإن كان زوالا لا يدوم كثيرًا, فهو كالإغماء, وإن كان يتطاول, فهو كالجنون.
وأما السكر ومن شرب محرمًا يزيل عقله وقتًا دون وقت, فلا يؤثر في إسقاط التكليف، وعليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله، لا نعلم فيه خلافًا; ولأنه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح, فبالسكر المحرم أولى®.
(3) انظر: المغني (2/50- 51) ؛ الإنصاف (3/8- 10) .
(4) انظر: المغني (2/51- 52) .
(5) 2/52). وانظر: الإنصاف (3/10) .