فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 89

الثانية: أن التسوية المذكورة إنما تكون بلصق المنكب بالمنكب وحافة القدم بالقدم لأن هذا هو الذي فعله الصحابة حين أمروا بإقامة الصفوف والتراص فيها و لهذا قال الحافظ في"الفتح"بعد أن ساق الزيادة التي أوردتها في الحديث الأول من قول أنس:"و أفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، و بهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف و تسويته".

و من المؤسف أن هذه السنة من التسوية قد تهاون بها المسلمون، بل أضاعوها إلا القليل منهم، فإني لم أرها عند طائفة منهم إلا أهل الحديث، فإني رأيتهم في مكة سنة (1368) حريصين على التمسك بها كغيرها من سنن المصطفى عليه الصلاة و السلام بخلاف غيرهم من أتباع المذاهب الأربعة - لا أستثني منهم حتى الحنابلة- فقد صارت هذه السنة عندهم نسيا منسيا، بل إنهم تتابعوا على هجرها و الإعراض عنها، ذلك لأن أكثر مذاهبهم نصت على أن السنة في القيام التفريج بين القدمين بقدر أربع أصابع، فإن زاد كره، كما جاء مفصلا في"الفقه على المذاهب الأربعة" (1/ 207) ، و التقدير المذكور لا أصل له في السنة، و إنما هو مجرد رأي، و لو صح لوجب تقييده بالإمام و المنفرد حتى لا يعارض به هذه السنة الصحيحة، كما تقتضيه القواعد الأصولية.

و خلاصة القول:

إنني أهيب بالمسلمين - و خاصة أئمة المساجد - الحريصين على اتباعه صلى الله عليه وسلم و اكتساب فضيلة إحياء سنته صلى الله عليه وسلم أن يعملوا بهذه السنة و يحرصوا عليها، و يدعوا الناس، إليها حتى يجتمعوا عليها جميعا. و بذلك ينجون من تهديد"أو ليخالفن الله بين قلوبكم".

الثالثة: في الحديث الأول معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم، و هي رؤيته صلى الله عليه وسلم من ورائه، و لكن ينبغي أن يعلم أنها خاصة في حالة كونه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، إذ لم يرد في شيء من السنة، أنه كان يرى كذلك خارج

الصلاة أيضا. و الله أعلم.

الرابعة: في الحديثين دليل واضح على أمر لا يعلمه كثير من الناس، و إن كان صار معروفا في علم النفس، و هو أن فساد الظاهر يؤثر في فساد الباطن، و العكس بالعكس، و في هذا المعنى أحاديث كثيرة، لعلنا نتعرض لجمعها و تخريجها في مناسبة أخرى إن شاء الله تعالي.

الخامسة: أن شروع الإمام في تكبيرة الإحرام عند قول المؤذن"قد قامت الصلاة"بدعة، لمخالفتها للسنة الصحيحة كما يدل على ذلك هذان الحديثان، لاسيما الأول منهما،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت